قاتلهم الله أنى يؤفكون . وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا
رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون سواء عليه استغفرت لهم .
شرح
وأن يقدر مضاف محذوف على يحسبون كل أهل صيحة ( قاتلهم الله ) دعاء عليهم وطلب من ذاته أن يلعنهم
ويخزيهم ، أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك ( أنى يؤفكون ) كيف يعدلون عن الحق تعجبا من جهلهم
وضلالتهم ( لووا رؤوسهم ) عطفوها وأما لوها إعراضا عن ذلك واستكبارا ، قرئ بالتخفيف والتشديد للتكثير .
روى " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين لقى بنى المصطلق على المريسيع وهو ماء لهم وهزمهم وقتل منهم ،
ازدحم على الماء جهجاه بن سعيد أجير لعمر يقود فرسه وسنان الجهني حليف لعبد الله بن أبي واقتتلا ، فصرخ
جهجاه يا للمهاجرين وسنان يا للأنصار ، فأعان جهجاها جعال من فقراء المهاجرين ولطم سنانا ، فقال عبد الله
لجعال : وأنت هناك ، وقال : ما صحبنا محمدا إلا لنلطم ، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال سمن كلبك يأكلك ، أما
والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل : عنى بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
ثم قال لقومه : ماذا فعلتم بأنفسكم ، أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم ؟ أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه
فضل الطعام لم يركبوا رقابكم ولأوشكوا أن يتحولوا عنكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد ، فسمع
بذلك زيد بن أرقم وهو حدث ، فقال : أنت والله الذليل القيل المبغض في قومك ، ومحمد في عز من الرحمن
وقوة من المسلمين ، فقال عبد الله : اسكت فإنما كنت ألعب ، فأخبر زيد رسول الله ، فقال عمر : دعني أضرب
عنق هذا المنافق يا رسول الله ، فقال : إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب ، قال : فإن كرهت أن يقتله مهاجري فأمر به
أنصاريا ، فقال : فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ؟ وقال عليه الصلاة والسلام لعبد الله أنت
صاحب الكلام الذي بلغني ؟ قال : والله الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك وإن زيدا لكاذب فهو
قوله تعالى - اتخذوا أيمانهم جنة - فقال الحاضرون : يا رسول الله شيخنا وكبيرنا لا تصدق عليه كلام غلام عسى أن
يكون قدوهم " . وروى : " أن رسول الله قال له : لعلك غضبت عليه ؟ قال لا ، قال : فلعله أخطأ سمعك ؟ قال لا ،
قال : فلعله شبه عليك ؟ قال لا ، فلما نزلت لحق رسول الله زيدا من خلفه فعرك أذنه وقال : وفت أذنك يا غلام
إن الله قد صدقك وكذب المنافقين " . " ولما أراد عبد الله أن يدخل المدينة اعترضه ابنه حباب ، وهو عبد الله بن
عبد الله غير رسول الله اسمه وقال : إن حبابا اسم شيطان وكان مخلصا ، وقال : وراءك والله لا تدخلها حتى تقول
رسول الله الأعز وأنا الأذل ، فلم يزل حبيسا في يده حتى أمره رسول الله بتخليته " وروى " أنه قال له : لئن
لم تقر لله ورسوله بالعز لأضربن عنقك ، فقال : ويحك أفاعل أنت ؟ قال نعم ، فلما رأى منه الجد قال : أشهد
أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ، فقال رسول الله لابنه : جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيرا ، فلما بان كذب
عبد الله قيل له : قد نزلت فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك ، فلوى رأسه ثم
قال : أمرتموني أن أو من فآمنت ، وأمرتموني أن أزكى مالي فزكيت ، فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فنزلت - وإذا قيل
لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله - ولم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى ومات " ( سواء عليهم ) الاستغفار وعدمه
لأنهم لا يلتفتون إليه ولا يعتدون به لكفرهم أو لأن الله لا يغفر لهم . وقرئ استغفرت على حذف حرف الاستفهام