تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 568

مساهمون:

ص٥٦٨
بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم .
شرح
قال : لقد فعلت هذى النوى به فعلة * أصاب النوى قبل الممات أثامها والهمزة فيه عن الواو كأنه يثم الأعمال : أي يكسرها بإحباطه . وقرئ ولا تحسسوا بالحاء والمعنيان متقاربان ، يقال تجسس الأمر إذا تطلبه وبحث عنه تفعل من الجس ، كا أن التلمس بمعنى التطلب من اللمس لما فيه اللمس من الطلب ، وقد جاء بمعنى الطلب في قوله تعالى - وأنا لمسنا السماء - والتحسس التعرف من الحس ولتقاربهما قيل لمشاعر الإنسان الحواس بالحاء والجيم ، والمراد النهى عن تتبع عورات المسلمين ومعايبهم والاستكشاف عما ستروه . وعن مجاهد : خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله . وعن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه خطب فرفع صوته حتى أسمع العواتق في خدورهن قال : يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين ، فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته " وعن زيد بن وهب قلنا لابن مسعود : هل لك في الوليد بن عقبة بن أبي معيط تقطر لحيته خمرا ؟ فقال ابن مسعود : إنا قد نهينا عن التجسس فإن ظهر لنا شئ أخذنا به . غابه واغتابه كغاله واغتاله ، والغيبة من الاغتياب كالغيلة من الاغتيال ، وهى ذكر السوء في الغيبة " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة فقال : أن تذكر أخاك بما يكره ، فإن كان فيه فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه فقد بهته " وعن ابن عباس رضي الله عنهما : الغيبة إدام كلاب الناس ( أيحب أحدكم ) تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفظع وجه وأفحشه . وفيه مبالغات شتى : منها الاستفهام الذي معناه التقرير ، ومنها جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة ، ومنها إسناد الفعل إلى أحدكم والإشعار بأن أحدا من الأحدين لا يحب ذلك ، ومنها إن لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان حتى جعل الإنسان أخا ، ومنها إن لم يقتصر على أكل لحم الأخ حتى جعل ميتا . وعن قتادة : كما تكره إن وجدت جيفة مدودة أن تأكل منها كذلك فأكره لحم أخيك وهو حي . وانتصب ( ميتا ) على الحال من اللحم ، ويجوز أن ينتصب عن الأخ . وقرئ ميتا . ولما قررهم عز وجل بأن أحدا منهم لا يحب أكل جيفة أخيه عقب ذلك بقوله تعالى ( فكرهتموه ) معناه فقد كرهتموه ، واستقر ذلك وفيه معنى الشرط : أي إن صح هذا فكرهتموه وهى على الفاء الفصيحة : أي فتحققت بوجوب الإقرار عليكم وبأنكم لا تقدرون على دفعه وإنكاره لإباء البشرية عليكم أن تجحدوه كراهتكم له وتقذركم منه ، فليتحقق أيضا أن تكرهوا ما هو نظيره من الغيبة والطعن في أعراض المسلمين . وقرئ فكرهتموه : أي جبلتم على كراهته . فإن قلت : هلا عدى بإلى كما عدى في قوله - وكره إليكم الكفر - وأيهما القياس ؟ قلت : القياس تعديه بنفسه لأنه ذو مفعول واحد قبل تثقيل حشوه ، تقول كرهت الشئ فإذا ثقل استدعى زيادة مفعول وأما تعديه بإلى فتأول وإجراء لكره مجرى بغض ، لأن بغض منقول من بغض إليه الشئ فهو بغيض إليه كقولك