تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 569

مساهمون:

ص٥٦٩
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير . قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا
شرح
حب إليه الشئ فهو حبيب إليه . والمبالغة في التواب للدلالة على كثرة من يتوب عليه من عباده ، أو لأنه ما من ذنب يقترفه المقترف إلا كان معفوا عنه بالتوبة أو لأنه بليغ في قبول التوبة منزل صاحبها منزلة من لم يذنب قط لسعة كرمه ، والمعنى واتقوا الله بترك ما أمرتم باجتنابه والندم على ما وجد منكم منه ، فإنكم إن اتقيتم تقبل الله توبتكم وأنعم عليكم بثواب المتقين التائبين . وعن ابن عباس أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوى لهما طعامهما ، فنام من شأنه يوما فبعثاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبغي لهما إداما ، وكان أسامة على طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما عندي شئ ، فأخبرهما سلمان بذلك فعند ذلك قالا لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها ، فلما راحا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما : " مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما ؟ فقالا : ما تناولنا لحما ، فقال : إنكما قد اغتبتما ، فنزلت " ( من ذكر وأنثى ) من آدم وحوا ، وقيل خلقنا كل واحد منكم من أب وأم فما منكم أحد إلا وهو يدلى بمثل ما يدلى به الآخر سواء بسواء فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب . والشعب : الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب وهى الشعب والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ والفصيلة ، فالشعب يجمع القبائل ، والقبيلة تجمع العمائر ، والعمارة تجمع البطون ، والبطن تجمع الأفخاذ ، والفخذ تجمع الفصائل : خزيمة شعب ، وكنانة قبيلة ، وقريش عمارة ، وقصي بطن ، وهاشم فخذ ، والعباس فصيلة . وسميت الشعوب لأن القبائل تشعبت منها . وقرئ لتتعارفوا ولتعارفوا بالإدغام ولتعرفوا : أي لتعلموا كيف تتناسبون ولتتعرفوا ، والمعنى : أن الحكمة التي من أجلها رتبكم على شعوب وقبائل هي أن يعرف بعضكم نسب بعض فلا يعتزى إلى غير آبائه لا أن تتفاخروا بالآباء والأجداد وتدعوا التفاوت والتفاضل في الأنساب ، ثم بين الخصلة التي بها يفضل الإنسان غيره ويكتسب الشرف والكرم عند الله تعالى فقال ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) وقرئ أن بالفتح كأنه قيل : لم لا يتفاخر بالأنساب ؟ فقيل : لأن أكرمكم عند الله أتقاكم لا أنسبكم ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه طاف يوم فتح مكة فحمد الله وأنثى عليه ثم قال : الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها ، يا أيها الناس إنما الناس رجلان : مؤمن تقى كريم على الله ، وفاجر شقى هين على الله ، ثم قرأ الآية " وعنه عليه الصلاة والسلام " من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله " وعن ابن عباس " كرم الدنيا الغنى ، وكرم الآخرة التقوى " وعن يزيد بن شجرة " مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق المدينة فرأى غلاما أسود يقول : من اشتراني فعلى شرط لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاشتراه رجل فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عند كل صلاة ، ففقده يوما فسأل عنه صاحبه فقال محموم ، فعاده ثم سأل عنه بعد ثلاثة أيام فقال هو لما به ، فجاءه وهو في ذمائه فتولى غسله ودفنه ، فدخل على المهاجرين والأنصار أمر عظيم فنزلت " . الإيمان هو التصديق مع الثقة وطمأنينة النفس والإسلام الدخول في السلم والخروج من أن يكون حربا للمؤمنين بإظهار الشهادتين ، ألا ترى إلى قوله تعالى - ولما يدخل الإيمان في قلوبكم - فأعلم أن ما يكون من الإقرار باللسان من غير مواطأة القلب فهو إسلام ، وما واطأ فيه القلب اللسان فهو إيمان . فإن قلت : ما وجه قوله تعالى ( قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ) والذي يقتضيه نظم الكلام أن يقال قل لا تقولوا آمنا ولكن