يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن
أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير . قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا
ولكن قولوا أسلمنا
شرح
حب إليه الشئ فهو حبيب إليه . والمبالغة في التواب للدلالة على كثرة من يتوب عليه من عباده ، أو لأنه ما من
ذنب يقترفه المقترف إلا كان معفوا عنه بالتوبة أو لأنه بليغ في قبول التوبة منزل صاحبها منزلة من لم يذنب قط
لسعة كرمه ، والمعنى واتقوا الله بترك ما أمرتم باجتنابه والندم على ما وجد منكم منه ، فإنكم إن اتقيتم تقبل الله
توبتكم وأنعم عليكم بثواب المتقين التائبين . وعن ابن عباس أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوى
لهما طعامهما ، فنام من شأنه يوما فبعثاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبغي لهما إداما ، وكان أسامة على طعام
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما عندي شئ ، فأخبرهما سلمان بذلك فعند ذلك قالا لو بعثناه إلى بئر
سميحة لغار ماؤها ، فلما راحا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما : " مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما ؟
فقالا : ما تناولنا لحما ، فقال : إنكما قد اغتبتما ، فنزلت " ( من ذكر وأنثى ) من آدم وحوا ، وقيل خلقنا كل
واحد منكم من أب وأم فما منكم أحد إلا وهو يدلى بمثل ما يدلى به الآخر سواء بسواء فلا وجه للتفاخر والتفاضل
في النسب . والشعب : الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب وهى الشعب والقبيلة والعمارة والبطن
والفخذ والفصيلة ، فالشعب يجمع القبائل ، والقبيلة تجمع العمائر ، والعمارة تجمع البطون ، والبطن تجمع
الأفخاذ ، والفخذ تجمع الفصائل : خزيمة شعب ، وكنانة قبيلة ، وقريش عمارة ، وقصي بطن ، وهاشم فخذ ،
والعباس فصيلة . وسميت الشعوب لأن القبائل تشعبت منها . وقرئ لتتعارفوا ولتعارفوا بالإدغام ولتعرفوا : أي
لتعلموا كيف تتناسبون ولتتعرفوا ، والمعنى : أن الحكمة التي من أجلها رتبكم على شعوب وقبائل هي أن يعرف
بعضكم نسب بعض فلا يعتزى إلى غير آبائه لا أن تتفاخروا بالآباء والأجداد وتدعوا التفاوت والتفاضل في
الأنساب ، ثم بين الخصلة التي بها يفضل الإنسان غيره ويكتسب الشرف والكرم عند الله تعالى فقال ( إن أكرمكم عند
الله أتقاكم ) وقرئ أن بالفتح كأنه قيل : لم لا يتفاخر بالأنساب ؟ فقيل : لأن أكرمكم عند الله أتقاكم لا أنسبكم ،
وعن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه طاف يوم فتح مكة فحمد الله وأنثى عليه ثم قال : الحمد لله الذي أذهب عنكم
عبية الجاهلية وتكبرها ، يا أيها الناس إنما الناس رجلان : مؤمن تقى كريم على الله ، وفاجر شقى هين على الله ، ثم
قرأ الآية " وعنه عليه الصلاة والسلام " من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله " وعن ابن عباس " كرم الدنيا
الغنى ، وكرم الآخرة التقوى " وعن يزيد بن شجرة " مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق المدينة فرأى
غلاما أسود يقول : من اشتراني فعلى شرط لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فاشتراه رجل فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عند كل صلاة ، ففقده يوما فسأل عنه صاحبه فقال محموم ،
فعاده ثم سأل عنه بعد ثلاثة أيام فقال هو لما به ، فجاءه وهو في ذمائه فتولى غسله ودفنه ، فدخل على المهاجرين
والأنصار أمر عظيم فنزلت " . الإيمان هو التصديق مع الثقة وطمأنينة النفس والإسلام الدخول في السلم والخروج
من أن يكون حربا للمؤمنين بإظهار الشهادتين ، ألا ترى إلى قوله تعالى - ولما يدخل الإيمان في قلوبكم - فأعلم أن
ما يكون من الإقرار باللسان من غير مواطأة القلب فهو إسلام ، وما واطأ فيه القلب اللسان فهو إيمان . فإن قلت :
ما وجه قوله تعالى ( قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ) والذي يقتضيه نظم الكلام أن يقال قل لا تقولوا آمنا ولكن