تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 566

مساهمون:

ص٥٦٦
نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب
شرح
بمن عظمه الله ، ولقد بلغ بالسلف إفراط توقيهم وتصونهم من ذلك أن قال عمرو بن شرحبيل : لو رأيت رجلا يرضع عنزا فضحكت منه خشيت أن أصنع مثل الذي صنعه . وعن عبد الله بن مسعود : البلاء موكل بالقول ، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبا . وفى قراءة عبد الله عسوا أن يكونوا ، وعسين أن يكن ، فعسى على هذه القراءة هي ذات الخبر كالتي في قوله تعالى - فهل عسيتم - وعلى الأولى التي لا خبر لها كقوله تعالى - وعسى أن تكرهوا شيئا - واللمز : الطعن والضرب باللسان ، وقرئ ولا تلمزوا بالضم ، والمعنى : وخصوا أيها المؤمنون أنفسكم بالانتهاء عن عيبها والطعن فيها ، ولا عليكم أن تعيبوا غيركم ممن لا يدين بدينكم ولا يسير بسيرتكم ، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس " وعن الحسن رضي الله عنه في ذكر الحجاج : أخرج إلى بنانا قصيرة قلما عرقت فيها الأعنة في سبيل الله ، ثم جعل يطبطب شعيرات له ويقول : يا أبا سعيد يا أبا سعيد ، وقال لما مات : اللهم أنت أمته فاقطع سنته فإنه أتانا أخيفش أعيمش يخطر في مشيته ، ويصعد المنبر حتى تفوته الصلاة لا من الله يتقى ولا من الناس يستحى ، فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون ، لا يقوله قائل الصلاة أيها الرجل الصلاة أيها الرجل ، هيهات دون ذلك السيف والسوط . وقيل معناه : لا يعب بعضكم بعضا لأن المؤمنين كنفس واحدة ، فمتى عاب المؤمن المؤمن فكأنما عاب نفسه . وقيل معناه : لا تفعلوا ما تلمزون به لأن من فعل ما استحق به اللمز فقد لمز نفسه حقيقة . والتنابز بالألقاب : التداعي بها تفاعل من نبزه ، ربنو فلان يتنابزون ويتنازبون ، ويقال النبز والنزب لقب السوء والتلقيب المنهى عنه هو ما يتداخل المدعو به كراهة لكونه تقصيرا به وذما له وشينا ، فأما ما يحبه مما يزينه وينوه به فلا بأس به . روى عن النبي صلى الله عليه وسلم " من حق المؤمن على أخيه أن يسميه بأحب أسمائه إليه " ولهذا كان التكنية من السنة والأدب الحسن . قال عمر رضي الله عنه : أشيعوا الكنى فإنها منبهة ، ولقد لقب أبو بكر بالعتيق والصديق وعمر بالفاروق وحمزة بأسد الله وخالد بسيف الله ، وقل من المشاهير في الجاهلية والإسلام من ليس له لقب ، ولم تزل هذه الألقاب الحسنة في الأمم كلها من العرب والعجم تجرى في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير . روى عن الضحاك أن قوما من بنى تميم استهزءوا ببلال وخباب وعمار وصهيب وأبي ذر وسالم مولى حذيفة فنزلت . وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تسخر من زينب بنت خزيمة الهلالية وكانت قصيرة . وعن ابن عباس أن أم سلمة ربطت حقويها بسبيبة وسدلت طرفها خلفها وكانت تجره ، فقالت عائطة لحفصة : انظري ما تجر خلفها كأنه لسان كلب . وعن أنس : عيرت نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بالقصر . وعن عكرمة عن ابن عباس أن صفية بنت حيى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن النساء يعيرنني ويقلن يا يهودية بنت يهوديين ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : هلا قلت إن أبى هارون وإن عمى موسى وإن زوجي محمد ؟ وروى أنها نزلت في ثابت بن قيس وكن به وقر ، وكانوا يوسعون له في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمع ، فأتى يوما وهو يقول : تفسحوا لي حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لرجل تنح فلم يفعل ، فقال من هذا ؟ فقال الرجل أنا فلان ، فقال بل أنت ابن فلانة ، يريد أما كان يعير بها في الجاهلية ، فخجل الرجل فنزلت ، فقال ثابت : لا أفخر على أحد في الحسب