تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 570

مساهمون:

ص٥٧٠
ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يألتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم .
شرح
قولوا أسلمنا أو قل لم تؤمنوا ولكن أسلمتم ؟ قلت : أفاد هذا النظم تكذيب دعواهم أولا ودفع ما انتحلوه فقيل : قل لم تؤمنوا ، وروعي في هذا النوع من التكذيب أدب حسن حين لم يصرح بلفظه فلم يقل كذبتم ، ووضع لم تؤمنوا الذي هو نفى ما ادعوا إثباته موضعه ، ثم نبه على ما فعل من وضعه موضع كذبتم في قوله في صفة المخلصين - أولئك هم الصادقون - تعريضا بأن هؤلاء هم الكاذبون ، ورب تعريض لا يقاومه التصريح ، واستغنى بالجملة التي هي لم تؤمنوا عن أن يقال لا تقولوا آمنوا ، لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مؤداه النهى عن القول بالإيمان ، ثم وصلت بها الجملة المصدرة بكلمة الاستدراك محمولة على المعنى ، ولم يقل ولكن أسلمتم ليكون خارجا مخرج الزعم والدعوى كما كان قولهم آمنا كذلك ، ولو قيل ولكن أسلمتم لكان خروجه في معرض التسليم لهم والاعتداد بقولهم وهو غير معتد به ، فإن قلت : قوله ( ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) بعد قوله تعالى - قل لم تؤمنوا - يشبه التكرير من غير استقلال بفائدة متجددة . قلت : ليس كذلك ، فإن فائدة قوله لم تؤمنوا هو تكذيب دعواهم ، وقوله ولما يدخل الإيمان في قلوبكم توقيت لما أمروا به أن يقولوه كأنه قيل لهم : ولكن قولوا أسلمنا حين لم تثبت مواطأة قلوبكم لألسنتكم ، لأنه كلام واقع موقع الحال من الضمير في قولوا وما في لما من معنى التوقع دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد ( لا يلتكم ) لا ينقصكم ولا يظلمكم ، يقال ألته السلطان حقه أشد الألت وهى لغة غطفان ولغة أسد وأهل الحجاز لاته ليتا ، وحكى الأصمعي عن أم هشام السلولية أنها قالت : الحمد لله الذي لا يفات ولا يلات ولا تصمه الأصوات ، وقرئ باللغتين لا يلتكم ولا يألتكم ، ونحوه في المعنى - فلا تظلم نفس شيئا - ومعنى طاعة الله ورسوله أن يتوبوا عما كانوا عليه من النفاق ويعقدوا قلوبهم على الإيمان ويعملوا بمقتضياته ، فإن فعلوا ذلك تقبل الله توبتهم ووهب لهم مغفرته وأنعم عليه بجزيل ثوابه . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن نفرا من بنى أسد قدموا المدينة في سنة جدبة ، فأظهروا الشهادة وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعارها وهم يغدون ويروحون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون : أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها وجئناك بالأثقال والذراري ، يريدون الصدقة ويمنون عليه فنزلت . ارتاب مطاوع رأيه إذا أوقعه في الشك مع التهمة ، والمعنى : أنهم آمنوا ثم لم يقع في نفوسهم شك فيما آمنوا به ولا اتهام لمن صدقوه واعترفوا بأن
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 570 | الزمخشري