تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 565

مساهمون:

ص٥٦٥
إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون . يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من
شرح
ليس المؤمنون إلا إخوة وأنهم خلص لذلك متمحضون قد انزاحت عنهم شبهات الأجنبية ، وأبى لطف حالهم في التماذج والاتحاد أن يقدموا على ما يتولد منه التقاطع فبادروا قطع ما يقع من ذلك إن وقع واحسموه ( واتقوا الله ) فإنكم إن فعلتم لم تحملكم التقوى إلا على التواصل والائتلاف والمسارعة إلى إماطة ما يفرط منه . وكان عند فعلكم ذلك وصول رحمة الله إليكم واشتمال رأفته عليكم حقيقا بأن تعقدوا به رجاءكم . القوم : الرجال خاصة لأنهم القوام بأمور النساء ، قال الله تعالى - الرجال قوامون على النساء - وقال عليه الصلاة والسلام " النساء لحم على وضم إلا ما ذب عنه ، والذابون هم الرجال " وهو في الأصل جمع قائم كصوم وزور في جمع صائم وزائر أو تسمية بالمصدر ، عن بعض العرب إذا أكلت طعاما أحببت نوما وأبغضت قوما : أي قياما ، واختصاص القوم بالرجال صريح في الآية ، وفى قول زهير * أقوم آل حصن أم نساء * وأما قولهم في قوم فرعون وقوم عاد هم الذكور والإناث ، فليس لفظ القوم بمتعاط للفريقين ولكن قصد ذكر الذكور وترك ذكر الإناث لأنهن توابع لرجالهن . وتنكير القوم والنساء يحتمل معنيين : أن يراد لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض ، وأن تقصد إفادة الشياع وأن تصير كل جماعة منه منهية عن السخرية . وإنما لم يقل رجل من رجل ولا امرأة من امرأة على التوحيد إعلاما بإقدام غير واحد من رجالهم وغير واحدة من نسائهم على السخرية واستفظاعا للشأن الذي كانوا عليه ، ولأن مشهد الساخر لا يكاد يخلو ممن يتلهى ويستضحك على قوله ، ولا يأتي ما عليه من النهى والإنكار فيكون شريك الساخر وتلوه في تحمل الوزر ، وكذلك كل من يطرق سمعه فيستطيبه ويضحك به فيؤدى ذلك وإن أوجده واحد إلى تكثر السخرة وانقلاب الواحد جماعة وقوما . وقوله تعالى ( عسى أن يكونوا خيرا منهم ) كلا مستأنف قد ورد مورد جواب المستخبر عن العلة الموجبة لما جاء النهى عنه ، وإلا فقد كان حقه أن يوصل بما قبله بالفاء ، والمعنى : وجوب أن يعتقد كل أحد أن المسخور منه ربما كان عند الله خيرا من الساخر ، لأن الناس لا يطلعون إلا على ظواهر الأحوال ولا علم لهم بالخفيات ، وإنما الذي يزن عند الله خلوص الضمائر وتقوى القلوب وعلمهم من ذلك بمعزل ، فينبغي أن لا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا رآه رث الحال أو ذا عاهة في بدنه أو غير لبيق في محادثته ، فلعله أخلص ضميرا وأتقى قلبا ممن هو على ضد صفته فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله والاستهانة
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 565 | الزمخشري