إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون . يا أيها
الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من
شرح
ليس المؤمنون إلا إخوة وأنهم خلص لذلك متمحضون قد انزاحت عنهم شبهات الأجنبية ، وأبى لطف حالهم
في التماذج والاتحاد أن يقدموا على ما يتولد منه التقاطع فبادروا قطع ما يقع من ذلك إن وقع واحسموه ( واتقوا الله )
فإنكم إن فعلتم لم تحملكم التقوى إلا على التواصل والائتلاف والمسارعة إلى إماطة ما يفرط منه . وكان عند فعلكم
ذلك وصول رحمة الله إليكم واشتمال رأفته عليكم حقيقا بأن تعقدوا به رجاءكم . القوم : الرجال خاصة لأنهم
القوام بأمور النساء ، قال الله تعالى - الرجال قوامون على النساء - وقال عليه الصلاة والسلام " النساء لحم على وضم
إلا ما ذب عنه ، والذابون هم الرجال " وهو في الأصل جمع قائم كصوم وزور في جمع صائم وزائر أو تسمية
بالمصدر ، عن بعض العرب إذا أكلت طعاما أحببت نوما وأبغضت قوما : أي قياما ، واختصاص القوم بالرجال
صريح في الآية ، وفى قول زهير * أقوم آل حصن أم نساء * وأما قولهم في قوم فرعون وقوم عاد هم الذكور
والإناث ، فليس لفظ القوم بمتعاط للفريقين ولكن قصد ذكر الذكور وترك ذكر الإناث لأنهن توابع لرجالهن .
وتنكير القوم والنساء يحتمل معنيين : أن يراد لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض ، وأن تقصد إفادة
الشياع وأن تصير كل جماعة منه منهية عن السخرية . وإنما لم يقل رجل من رجل ولا امرأة من امرأة على التوحيد
إعلاما بإقدام غير واحد من رجالهم وغير واحدة من نسائهم على السخرية واستفظاعا للشأن الذي كانوا عليه ،
ولأن مشهد الساخر لا يكاد يخلو ممن يتلهى ويستضحك على قوله ، ولا يأتي ما عليه من النهى والإنكار فيكون
شريك الساخر وتلوه في تحمل الوزر ، وكذلك كل من يطرق سمعه فيستطيبه ويضحك به فيؤدى ذلك وإن أوجده
واحد إلى تكثر السخرة وانقلاب الواحد جماعة وقوما . وقوله تعالى ( عسى أن يكونوا خيرا منهم ) كلا مستأنف
قد ورد مورد جواب المستخبر عن العلة الموجبة لما جاء النهى عنه ، وإلا فقد كان حقه أن يوصل بما قبله بالفاء ،
والمعنى : وجوب أن يعتقد كل أحد أن المسخور منه ربما كان عند الله خيرا من الساخر ، لأن الناس لا يطلعون إلا
على ظواهر الأحوال ولا علم لهم بالخفيات ، وإنما الذي يزن عند الله خلوص الضمائر وتقوى القلوب وعلمهم من
ذلك بمعزل ، فينبغي أن لا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا رآه رث الحال أو ذا عاهة في بدنه أو غير
لبيق في محادثته ، فلعله أخلص ضميرا وأتقى قلبا ممن هو على ضد صفته فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله والاستهانة