تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 562

مساهمون:

ص٥٦٢
فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم .
شرح
- في كثير من الأمر - كقولك فلان يقرى الضيف ويحمى الحريم تريد أنه مما اعتاده ووجد منه مستمرا . فإن قلت : كيف موقع لكن وشريطتها مفقودة من مخالفة ما بعدها لما قبلها نفيا وإثباتا ؟ قلت : هي مفقودة من حيث اللفظ حاصلة من حيث المعنى الأن الذين حبب إليهم الإيمان قد غايرت قد غايرت صفتهم صفة المتقدم ذكرهم فوقعت لكن في حاق موقعها من الاستدراك . ومعنى تحبيب الله وتكريهه اللطف والإمداد بالتوفيق وسبيله الكناية كما سبق ، وكل ذي لب وراجع إلى بصيرة وذهن لا يغبى عليه أن الرجل لا يمدح بغير فعله ، وحمل الآية على ظاهرها يؤدى إلى أن يثنى عليهم بفعل الله ، وقد نفى الله هذا عن الذين أنزل فيهم - ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا - فإن قلت : فإن العرب تمدح بالجمال وحسن الوجوه وذلك فعل الله ، وهو مدح مقبول عند الناس غير مردود . قلت : الذي سوغ ذلك لهم أنهم رأوا حسن الرواء ووسامة المنظر في الغالب يسفر عن مخبر مرضى وأخلاق محمودة ومن تم قالوا : أحسن ما في الدميم وجهه فلم يجعلوه من صفات المدح لذاته ولكن لدلالته على غيره . على أن من محققة الثقات وعلماء المعاني من دفع صحة ذلك وخطأ المادح به وقصر المدح على النعت بأمهات الخير وهى الفصاحة والشجاعة والعدل والعفة وما يتشعب منها ويرجع إليها ، وجعل الوصف بالجمال والثروة وكثرة الحفدة والإعضاد وغير ذلك مما ليس للإنسان فيه عمل غلطا ومخالفة عن المعقول ، والكفر : تغطية نعم الله تعالى وغمطها بالجحود والفسوق : الخروج عن قصد الإيمان ومحجته بركوب الكبائر . والعصيان : ترك الانقياد والمضي لما أمر به الشارع ، والعرق العاصي العاند ، واعتصت النواة اشتدت . والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه من الرشادة وهى الصخرة . قال أبو الوازع : كل صخرة رشادة وأنشد : وغير مقلد وموشمات * صلين الضوء من صم الرشاد و ( فضلا ) مفعولا له أو مصدر من غير فعله . فإن قلت : من أين جاز وقوعه مفعولا له والرشد فعل القوم والفضل فعل الله تعالى والشرط أن يتحد الفاعل ؟ قلت : لما وقع الرشد عبارة عن التحبيب والتزيين والتكريه مسندة إلى اسمه تقدمت أسماؤه صار الرشد كأنه فعله . فجاز أن ينتصب عنه أو لا ينتصب عن الراشدون ، ولكن عن الفعل المسند إلى اسم الله تعالى ، والجملة التي هي أولئك هم الراشدون اعتراض أو عن فعل مقدر كأنه قيل جرى ذلك أو كان ذلك فضلا من الله ، وأما كونه مصدرا من غير فعله فأن يوضع موضع رشدا لأن رشدهم فضل من الله لكونهم موفقين فيه والفضل والنعمة بمعنى الإفضال والإنعام ( والله عليم ) بأحوال المؤمنين وما بينهم من التمايز والتفاضل ( حكيم ) حين يفضل وينعم بالتوفيق على أفاضلهم . عن ابن عباس رضي الله عنهما قال
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 562 | الزمخشري