ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فأزره فاستغلظ
فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا
وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما .
شرح
السمة ، وذلك رياء ونفاق يستعاذ بالله منه ونحن فيما حدث في جبهة السجاد الذي لا يسجد إلا خالصا لوجه الله
تعالى . وعن بعض المتقدمين : كنا نصلى فلا يرى بين أعيننا شئ ، ونرى أحدنا الآن يصلى فيرى بين عينيه ركبة
البعير ، فما ندري أثقلت الأرؤس أم خشنت الأرض ؟ وإنما أراد بذلك من تعمد ذلك للنفاق . وقيل هو صفرة
الوجه من خشية الله . وعن الضحاك : ليس بالندب في الوجوه ولكنه صفرة . وعن سعيد بن المسيب : ندى
الطهور وتراب الأرض . وعن عطاء رحمه الله : استنارت وجوههم من طول ما صلوا بالليل كقوله : " من كثر
صلاته بالليل حسن وجهه بالثمار " ( ذلك ) الوصف ( مثلهم ) أي وصفهم العجيب الشأن في الكتابين جميعا ، ثم
ابتدأ فقال ( كزرع ) يريدهم كزرع ، وقيل تم الكلام عند قوله - ذلك مثلهم في التوراة - ثم ابتدئ - ومثلهم
في الإنجيل - كزرع ، ويجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أوضحت بقوله - كزرع أخرج شطأه - كقوله تعالى
وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين - . وقرئ الإنجيل بفتح الهمزة ( شطأه ) فراخه ، يقال
أشطأ الزرع : إذا فرخ ، وقرئ شطأه بفتح الطاء ، وشطاه بتخفيف الهمزة ، وشطاءه بالمد ، وشطه بحذف الهمزة
ونقل حركتها إلى ما قبلها ، وشطوه بقلبها واوا ( فآزره ) من المؤازرة وهى المعاونة . وعن الأخفش أنه أفعل .
وقرئ فأزره بالتخفيف والتشديد أي فشد أزره وقواه ، ومن جعل آزر أفعل فهو في معنى القراءتين ( فاستغلظ )
فصار من الدقة إلى الغلظ ( فاستوى على سوقه فاستقام على قصبه جمع ساق ، وقيل مكتوب في الإنجيل " سيخرج
قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " وعن عكرمة : أخرج شطأه بأبي بكر فآزره بعمر
فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعلى . وهذا مثل ضربه الله لبدء أمر الإسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوى
واستحكم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام وحده ثم قواه الله بمن آمن معه كما يقوى الطاقة الأولى من الزرع
ما يحتف بها مما يتولد منها حتى يعجب الزراع . فإن قلت : قوله ( ليغيظ بهم الكفار ) تعليل لماذا ؟ قلت : لما دل
عليه تشبيههم بالزرع من نمائهم وترقيهم في الزيادة والقوة ، ويجوز أن يعلل به ( وعد الله الذين آمنوا ) لأن الكفار
إذا سمعوا بما أعد لهم في الآخرة مع ما يعزهم به في الدنيا غاظهم ذلك ، ومعنى ( منهم ) البيان كقوله تعالى - فاجتنبوا
الرجس من الأوثان - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ سورة الفتح فكأنما كان ممن شهد مع محمد
فتح مكة " .