ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة
بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم
عذابا أليما . إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله
شرح
لأبى حنيفة على أن المجصر محل هديه الحرم . فإن قلت : فكيف حل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه وإنما
نحر هديتهم بالحديبية ؟ قلت : بعض الحديبية من الحرم ، وروى أن مضارب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت
في الحل ومصلاه في الحرم . فإن قلت : فإذن قد نحر في الحرم فلم قيل معكوفا أن يبلغ محله ؟ قلت : المراد المحل
المعهود وهو منى ( لم تعلموهم ) صفة للرجال والنساء جميعا ، و ( أن تطؤوهم ) بدل اشتمال من هم ، أو من الضمير
المنصوب في تعلموهم . والمعرة من عرة بمعنى عراه : إذا دهاه ما يكره ويشق عليه ، و ( بغير علم ) متعلق بأن
تطؤوهم يعنى أن تطؤوهم غير عالمين بهم ، والوطء والدوس عبارة عن الإيقاع والإبادة ، قال :
ووطئتنا وطأ على حنق * وطء المقيد ثابت الهرم
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وإن آخر وطأة وطئها الله بوج " والمعنى : أنه كان بمكة قوم من
المسلمين مختلطون بالمشركين غير متميزين منهم ولا معروفي الأماكن ، فقيل ولولا كراهة أن تهلكوا ناسا مؤمنين
بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين بهم فيصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة لما كف أيديكم عنهم ، وحذف
جواب لولا لدلالة الكلام عليه ، ويجوز أن يكون لو تزيلوا كالتكرير للولا رجال مؤمنون لمرجعهما إلى معنى
واحد ويكون لعذبنا هو الجواب . فإن قلت : أي معرة تصيبهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون ؟ قلت : يصيبهم
وجوب الدية والكفارة وسوء قالة المشركين أنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز ، والمأثم إذا
جرى منهم بعض التقصير . فإن قلت : قوله ( ليدخل الله في رحمته من يشاء ) تعليل لماذا ؟ قلت : لما دلت
عليه الآية وسيقت له من كف الأيدي عن أهل مكة والمنع من قتلهم صونا لما بين أظهرهم من المؤمنين كأنه قال :
كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله في رحمته : أي في توفيقه لزيادة الخير والطاعة مؤمنيهم ، أو ليدخل في
الإسلام من رغب فيه من مشركيهم ( لو تزيلوا ) لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض من زاله يزيله ، وقرئ لو
تزايلوا ( إذا ) يجوز أن يعمل فيه ما قبله : أي لعذبناهم أو صدوهم عن المسجد الحرام في ذلك الوقت وأن ينتصب