تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
واتقوا الله .
شرح
على سمت اليدين مع القرب منهما توسعا كما يسمى الشئ باسم غيره إذا جاوره وداناه في غير موضع ، وقد جرت هذه العبارة ههنا على سنن ضرب من المجاز وهو الذي يسميه أهل البيان تمثيلا ، ولجريها هكذا فائدة جليلة ليست في الكلام العريان ، وهى تصوير الهجنة والشناعة فيما نهوا عنه من الإقدام على أمر من الأمور دون الإحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة ، والمعنى : أن لا تقطعوا أمرا إلا بعد ما يحكمان به ويأذنان فيه ، فتكونوا إما عاملين بالوحي المنزل ، وإما مقتدين برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعليه يدور تفسير ابن عباس رضي الله عنه . وعن مجاهد : لا تفتاتوا على الله شيئا حتى يقصه على لسان رسوله . ويجوز أن يجرى مجرى قولك سرني زيد وحسن حاله وأعجبت بعمرو وكرمه ، وفائدة هذا الأسلوب الدلالة على قوة الاختصاص ، ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله بالمكان الذي لا يخفى سلك به ذلك المسلك ، وفى هذا تمهيد وتوطئة لما نقم منهم فيما يتلوه من رفع أصواتهم فوق صوته ، لأن من أحظاه الله بهذه الأثرة واختصه هذا الاختصاص القوى كان أدنى ما يجب له من التهيب والإجلال أن يخفض بين يديه الصوت ويخافت لديه بالكلام . وقيل بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تهامة سرية سبعة وعشرين رجلا وعليهم المنذر بن عمرو الساعدي ، فقتلهم بنو عامر وعليهم عامر بن الطفيل ، إلا ثلاثة نفر نجوا فلقوا رجلين من بنى سليم قرب المدينة فاعتزيا لهم إلى بنى عامر لأنهم أعز من بنى سليم فقتلوهما وسلبوهما ، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بئسما صنعتم كانا من سليم والسلب ما كسوتهما ، فوادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت : أي لا تعملوا شيئا من ذات أنفسكم حتى تستأمروا رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعن مسروق دخلت على عائشة في اليوم الذي يشك فيه ، فقالت للجارية أسقيه عسلا ، فقلت إني صائم ، فقالت قد نهى الله عن صوم هذا اليوم ، وفيه نزلت . وعن الحسن أن أناسا ذبحوا يوم الأضحى قبل الصلاة فنزلت ، وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا ذبحا آخر . وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله إلا أن تزول الشمس . وعند الشافعي : يجوز الذبح إذا مضى من الوقت مقدار الصلاة . وعن الحسن أيضا لما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أتته الوفود من الآفاق فأكثروا عليه بالمسائل ، فنهوا أن يبتدئوه بالمسألة حتى يكون هو المبتدئ . وعن قتادة : ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون : لو أنزل في كذا لكان كذا ، فكره الله ذلك منهم وأنزلها . وقيل هي عامة في كل قول وفعل ، ويدخل فيه أنه إذا جرت مسألة في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسبقوه بالجواب ، وأن لا يمشى بين يديه إلا لحاجة ، وأن يستأنى في الافتتاح بالطعام ( واتقوا الله ) فإنكم إن اتقيتموه عافتكم التقوى عن التقدمة المنهى عنها وعن جميع ما تقتضى مراقبة الله تجنبه ، فإن التقى حذر لا يشافه أمرا إلا عن ارتفاع الريب وانجلاء الشك في أن لا تبعة عليه فيه ، وهذا كما تقول لمن يقارف بعض الرذائل لا تفعل هذا وتحفظ مما يلصق بك العار ، فتنهاه أو لاعن عين ما فارقه ثم تعم وتشيع وتأمره بما لو امتثل فيه أمرك