تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 541

مساهمون:

ص٥٤١
ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما . وينصرك الله نصرا عزيزا . هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين
شرح
ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر ما لا يخفى . فإن قلت : كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة ؟ قلت : لم يجعل علة للمغفرة ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة ، وهى : المغفرة ، وإتمام النعمة ، وهداية الصراط المستقيم ، والنصر العزيز ، كأنه قيل : يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوك لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل . ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سببا للغفران والثواب . والفتح : الظفر بالبلد عنوة أو صلحا بحرب أو بغير حرب ، لأنه منغلق ما لم يظفر به ، فإذا ظفر به وحصل في اليد فقد فتح . وقيل هو فتح الحديبية ولم يكن فيه قتال شديد ، ولكن ترام بين القوم بسهام وحجارة . وعن ابن عباس رضي الله عنه : رموا المشركين حتى أدخلوهم ديارهم . وعن الكلبي : ظهروا عليهم حتى سألوا الصلح . فإن قلت : كيف يكون فتحا وقد أحصروا فنحروا وحلقوا بالحديبية ؟ قلت : كان ذلك قبل الهدنة فلما طلبوها وتمت كانت فتحا مبينا . وعن موسى بن عقبة " أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعا فقال رجل من أصحابه : ما هذا بفتح لقد صدونا عن البيت وصد هدينا ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : بئس الكلام هذا ، بل هو أعظم الفتوح ، وقد رضى المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح ويسألوكم القضية ويرغبوا إليكم في الأمان ، وقد رأوا منكم ما كرهوا " وعن الشعبي " نزلت بالحديبية وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة ما لم يصب في عزوة ، أصاب أن بويع بيعة الرضوان ، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وظهرت الروم على فارس ، وبلغ الهدى محله ، وأطعموا نخل خبير ، وكان في فتح الحديبية آية عظيمة وذلك أنه نزح ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة ، فتمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مجه فيها فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه " وقيل فجاش الماء حتى امتلأت ولم ينفد ماؤها بعد ، وقيل هو فتح خيبر ، وقيل فتح الروم ، وقيل فتح الله له بالإسلام والنبوة والدعوة بالحجة والسيف ، ولا فتح أبين منه وأعظم ، وهو رأس الفتوح كلها إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا وهو تحته ومتشعب منه . وقيل معناه : قضينا لك قضاء بينا على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل لتطوفوا بالبيت من الفتاحة وهى الحكومة ، وكذا عن قتادة ( ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) يريد جميع ما فرط منك ، وعن مقاتل ما تقدم في الجاهلية وما بعدها ، وقيل ما تقدم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد ( نصرا عزيزا ) فيه عز ومنعة أو وصف بصفة المنصور إسنادا مجازيا أو عزيزا صاحبه ( السكينة ) السكون كالبهيتة للبهتان : أي أنزل الله في قلوبهم السكون والطمأنينة بسبب الصلح والأمن ليعرفوا فضل الله عليهم بتيسير
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 541 | الزمخشري