إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم
فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم .
إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم
أموالكم . إن كنتم يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم . هاأنتم هؤلاء
تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما .
شرح
كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت - ولا تبطلوا أعمالكم - فكانوا يخافون الكبائر على أعمالهم . وعن حذيفة :
فخافوا أن تحبط الكبائر أعمالهم . وعن ابن عمر " كنا نرى أنه ليس شئ من حسناتنا إلا مقبولا حتى نزل - ولا
تبطلوا أعمالكم - فقلنا : ما هذا الذي يبطل أعمالنا ؟ فقلنا : الكبائر الموجبات والفواحش حتى نزل - إن الله لا يفغر
أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء - فكففنا عن القول في ذلك ، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر ونرجو
لمن لم يصبها " وعن قتادة رحمه الله : رحم الله عبدا لم يحبط عمله الصالح بعمله السئ . وقيل لا تبطلوها بمعصيتهما .
وعن ابن عباس رضي الله عنه : لا تبطلوها بالرياء والسمعة . وعنه بالشك والنفاق . وقيل بالعجب فإن العجب
يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب . وقيل ولا تبطلوها صدقاتكم بالمن والأذى ( ثم ماتوا وهم كفار ) قيل هم
أصحاب القليب والظاهر العموم ( فلا تهنوا ) ولا تضعفوا ولا تذلوا للعدو ( و ) لا ( تدعوا إلى السلم ) وقرئ السلم
وهما المسالمة ( وأنتم الأعلون ) أي الأغلبون الأقهرون ( والله معكم ) أي ناصركم . وعن قتادة : لا تكونوا أول
الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها بالموادعة . وقرئ ولا تدعوا من ادعى القوم وتداعوا إذا دعوا نحو قولك ارتموا
الصيد وتراموه ، وتدعوا مجزوم لدخوله في حكم النهى أو منصوب لإضمار أن ونحو قوله تعالى - وأنتم الأعلون -
قوله تعالى - إنك أنت الأعلى - ( ولن يتركم ) من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا من ولد أو أخ أو حميم أو حربته
وحقيقته أفردته من قريبه أو ماله من الوتر وهو الفرد ، فشبه إضاعة عمل العامل وتعطيل ثوابه بوتر الواتر وهو من
فصيح الكلام ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله " أي أفرد عنهما قتلا
ونبها ( يؤتكم أجوركم ) ثواب إيمانكم وتقواكم ( ولا يسألكم أموالكم ) أي ولا يسألكم جميعها إنما يقتصر منكم على
ربع العشر ، ثم قال ( إن يسألكموها فيحفكم ) أي يجهدكم ويطلبه كله والإحفاء المبالغة وبلوغ الغاية في كل شئ ،
يقال أحفاه في المسألة : إذا لم يترك شيئا من الإلحاح ، وأحفى شاربه : إذا استأصله ( تبخلوا ويخرج أضغانكم )
أي تضطغنون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتضيق صدوركم لذلك وأظهرتم كراهتكم ومقتكم لدين يذهب
بأموالكم ، والضمير في يخرج لله عز وجل : أي يضغنكم بطلب أموالكم أو للبخل لأنه سبب الاضطغان . وقرئ
تخرج بالنون ويخرج بالياء والتاء مع فتحهما ورفع أضغانكم ( هؤلاء ) موصول بمعنى الذين صلته ( تدعون ) أي
أنتم الذين تدعون أو أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون ثم استأنف وصفهم كأنهم قالوا وما وصفنا ؟ فقيل
تدعون ( لتنفقوا في سبيل الله ) قيل هي النفقة في الغزو ، وقيل الزكاة كأنه قيل : الدليل على أنه لو أحفاكم
لبخلتم وكرهتم العطاء واضطغنتم أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر فمنكم ناس يبخلون به ، ثم قال ( ومن يبخل )