يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم . والذين كفروا فتعسا
لهم وأضل أعمالهم . ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم . أفلم
يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم
وللكافرين أمثالها ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم . إن
الله لا يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار والذين
كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم .
شرح
من الجنة . قال مجاهد : يهتدى أهل الجنة إلى مساكنهم منها لا يخطئون كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا لا يستدلون
عليها . وعن مقاتل أن الملك الذي وكل بحفظ عمله في الدنيا يمشى بين يديه فيعرفه كل شئ أعطاه الله أو طيبها
لهم من العرف وهو طيب الرائحة . وفى كلام بعضهم : عزف كنوح القماري وعرف كفوح القماري ، أو حددها
لهم فجنة كل أحد محدودة مفرزة عن غيرها ، من عرف الدار وأرفها والعرف والأرف الحدود ( إن تنصروا )
دين ( الله ) ورسوله ( ينصركم ) على عدوكم ويفتح لكم ( ويثبت أقدامكم ) في مواطن الحرب ، أو على محجة
الإسلام ( والذين كفروا ) يحتمل الرفع على الابتداء والنصب بما يفسره ( فتعسا لهم ) كأنه قال : أتعس الذين
كفروا فإن قلت : علام عطف قوله ( وأضل أعمالهم ) ؟ قلت : على الفعل الذين نصب تعسا ، لأن المعنى :
فقال تعسا لهم ، أو فقضى تعسا لهم ، وتعسا له نقيض لعاله ، قال الأعشى : * فالتعس أولى لها من أن أقول لعا *
يريد فالعثور والانحطاط أقرب لها من الانتعاش والثبوت . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : يريد في الدنيا القتل
وفى الآخرة التردي في النار ( كرهوا ) القرآن وما أنزل الله فيه من التكاليف والأحكام لأنهم قد ألفوا ( الإهمال
وإطلاق العنان في الشهوات والملاذ فشق عليهم ذلك وتعاظمهم ، دمره أهلكه ، ودمر عليه أهلك عليه ما يختص به
والمعنى : دمر الله عليهم ما اختص بهم من أنفسهم وأموالهم وأولادهم وكل ما كان لهم ( وللكافرين أمثالها ) الضمير
للعاقبة المذكورة أو للهلكة لأن التدمير يدل عليها ، أو للسنة لقوله عز وعلا - سنة الله في الذين خلوا - ( مولى
الذين آمنوا ) وليهم وناصرهم ، وفى قراءة ابن مسعود ولى الذين آمنوا . ويروى " أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم كان في الشعب يوم أحد وقد فشت فيهم الجراحات ، وفيه نزلت فنادى المشركون : أعل هبل ، فنادى
المسلمون : الله أعلى وأجل ، فنادى المشركون : يوم بيوم والحرب سجال إن لنا عزى ولا عزى لكم ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : قولوا الله مولانا ولا مولى لكم ، إن القتلى مختلفة ، أما قتلانا فأحياء يرزقون ،
وأما قتلاكم ففي النار يعذبون " . فإن قلت : قوله تعالى - وردوا إلى الله مولاهم الحق - مناقض لهذه الآية ؟ قلت :
لا تناقض بينهما لأن الله مولى عباده جميعا على معنى أنه ربهم ومالك أمرهم ، وأما على معنى الناصر فهو مولى
المؤمنين خاصة ( يتمتعون ) ينتفعون بمتاع الحياة الدنيا أياما قلائل ( ويأكلون ) غافلين غير مفكرين في العاقبة
( كما تأكل الأنعام ) في مسارحها ومعالفها غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح ( مثوى لهم ) منزل ومقام .