وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم .
أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم . مثل الجنة
التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار .
شرح
وقرئ وكائن بوزن كاعن . وأراد بالقرية أهلها ولذلك قال ( أهلكناهم ) كأنه قال : وكم من قوم هم أشد قوة
من قومك الذين أخرجوك أهلكناهم . ومعنى أخرجوك : كانوا سبب خروجك . فإن قلت : كيف قال ( فلا
ناصر لهم ) وإنما هو أمر قد مضى ؟ قلت : مجراه مجرى الحال المحكية كأنه قال : أهلكناهم فهم لا ينصرون . ( من
زين له ) هم أهل مكة الذين زين لهم الشيطان شركهم وعداوتهم لله ورسوله ، ومن كان على بينة من ربه : أي
على حجة من عنده وبرهان ، وهو القرآن المعجز وسائر المعجزات هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقرئ أمن
كان على بينة من ربه ، وقال تعالى ( سوء عمله واتبعوا ) للحمل على لفظ من ومعناه . فإن قلت : ما معنى قوله
تعالى ( مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار ) كمن هو خالد في النار ؟ قلت : هو كلام في صورة الإثبات ومعنى
النفي والإنكار لانطوائه تحت حكم كلام مصدر بحرف الإنكار ودخوله في حيزه وانخراطه في سلكه وهو وقوله
تعالى - أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله - فكأنه قيل : أمثل الجنة كمن هو خالد في النار ؟ أي كمثل
جزاء من هو خالد في النار . فإن قلت : فلم عرى من حرف الانكار وما فائدة التعرية ؟ قلت : تعريته من حرف
الإنكار فيها زيادة تصوير لمكابرة من يسوى بين المتمسك بالبينة والتابع لهواه ، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين
الجنة التي تجرى فيها تلك الأنهار وبين النار التي يسقى أهلها الحميم ، ونظيره قول القائل :
أفرح أن أرزأ الكرام وأن * أورث ذودا شصائصا نبلا
هو كلام منكر للفرح برزية الكرام ووراثة الذود مع تعريه عن حرف الإنكار لانطوائه تحت حكم قول من
قال : أتفرح بموت أخيك وبوارثة إبله ؟ والذي طرح لأجله حرف الإنكار إرادة أن يصور قبح ما أزن به