تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 519

مساهمون:

ص٥١٩
فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدى القوم الظالمين . وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم . ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة .
شرح
كما عطفته ثم في قوله تعالى - قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به - وكذلك الواو الآخرة عاطفة لاستكبرتم على شهد شاهد ، وأما الواو في وشهد شهد فقد عطفت جملة قوله - شهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم - على جملة قوله - كان من عند الله وكفرتم به - ونظيره قولك إن أحسنت إليك وأسأت وأقبلت عليك وأعرضت عنى لم نتفق في أنك أخذت ضميمتين فعطفتهما على مثليهما ، والمعنى : قل أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به مع استكباركم عنه وعن الإيمان به ، ألستم أضل الناس وأظلمهم ، وقد جعل الإيمان في قوله فآمن مسببا عن الشهادة على مثله ، لأنه لما علم أن مثله أنزل على موسى صلوات الله عليه وأنه من جنس الوحي وليس من كلام البشر وأنصف من نفسه فشهد عليه واعترف كان الإيمان نتيجة ذلك ( للذين آمنوا ) لأجلهم وهو كلام كفار مكة قالوا عامة من يتبع محمدا السقاط : يعنون الفقراء مثل عمار وصهيب وابن مسعود ، فلو كان ما جاء به خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء . وقيل لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع : لو كان خيرا ما سبقنا إليه رعاء البهم . وقيل إن أمة لعمر أسلمت فكان عمر يضربها حتى يفتر تم يقول : لولا أنى فترت لزدتك ضربا . وكان كفار قريش يقولون : لو كان ما يدعو إليه محمد حقا ما سبقتنا إليه فلانة ، وقيل كان اليهود يقولونه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه . فإن قلت : لا بد من عالم في الظرف في قوله ( وإذا لم يهتدوا به ) ومن متعلق لقوله ( فسيقولون ) وغير مستقيم أن يكون فسيقولون هو العامل في الظرف لتدافع دلالتي المضي والاستقبال فما وجه هذا الكلام ؟ قلت : العامل في إذ محذوف لدلالة الكلام عليه كما حذف من قوله - فلما ذهبوا به - وقولهم حينئذ الآن وتقديره : وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم فسيقولون هذا إفك قديم . فهذا المضمر صح به الكلام حيث انتصب به الظرف ، وكان قوله - فسيقولون - مسببا عنه كما صح بإضمار أن قوله - حتى يقول الرسول - لمصادفة حتى مجرورها والمضارع ناصبه ، وقولهم ( إفك قديم ) كقولهم - أساطير الأولين - ( كتاب موسى ) مبتدأ ومن قبله ظرف واقع خبرا مقدما عليه وهو ناصب ( إماما ) على الحال كقولك في الدار زيد قائما ، وقرئ ومن قبله كتاب موسى على وآتينا الذين قبله التوراة ، ومعنى إماما : قدوة يؤتم به في دين الله وشرائعه كما يؤتم بالإمام ( ورحمة ) لمن آمن به وعمل بما فيه