إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم . أمرا من عندنا
شرح
وليلة الرحمة . وقيل بينها وبين ليلة القدر أربعون ليلة . وقيل في تسميتها ليلة البراءة والصك أن البندار إذا استوفى
الخراج من أهله كتب لهم البراءة كذلك الله عز وجل يكتب لعباده المؤمنين البراءة في هذه الليلة . وقيل هي مختصة
بخمس خصال : تفريق كل أمر حكيم وفضيلة العبادة فيها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صلى في هذه
الليلة مائة ركعة أرسل الله إليه مائة ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة ، وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار ، وثلاثون
يدفعون عنه آفات الدنيا وعشرة يدفعون عنه مكايد الشياطين " . ونزول الرحمة قال عليه الصلاة والسلام " إن الله يرحم
أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بنى كلب " . وحصول المغفرة ، قال عليه الصلاة والسلام " إن الله تعالى يغفر لجميع
المسلمين في تلك الليلة إلا لكاهن أو ساحر أو مشاحن أو مدمن خمر أو عاق للوالدين أو مصر على الزنا " . وما أعطى فيها
رسول الله صلى الله عليه وسلم من تمام الشفاعة وذلك " أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطى الثلث ،
منها ثم سأل ليلة الرابع عشر فأعطى الثلثين ، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطى الجميع ، إلا من شرد عن الله شراد
البعير " ومن عادة الله في هذه الليلة أن يزيد فيها ماء زمزم زيادة ظاهرة . والقول الأكثر أن المراد بالليلة المباركة ليلة
القدر لقوله تعالى - إنا أنزلناه في ليلة القدر - ولمطابقة قوله - فيها يفرق كل أمر حكيم - لقوله - تنزل الملائكة والروح
فيها بإذن ربهم من كل أمر - وقوله تعالى - شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن - وليلة القدر في أكثر الأقاويل في
شهر رمضان : فإن قلت : ما معنى إنزال القرآن في هذه الليلة ؟ قلت : قالوا أنزل جملة واحدة من السماء السابعة إلى
السماء الدنيا ، وأمر السفرة الكرام بانتساخه في ليلة القدر ، وكان جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله صلى الله عليه
وسلم نجوما نجوما . فإن قلت ( إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم ) ما موقع هاتين الجملتين ؟ قلت :
هما جملتان مستأنفتان ملفوفتان فسر بهما جواب القسم الذي هو قوله تعالى - إنا أنزلناه في ليلة مباركة - كأنه قيل :
أنزلناه لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب ، وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصا لأن إنزال القرآن من
الأمور الحكيمة ، وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم . والمباركة الكثيرة الخير لما يتيح الله فيها من الأمور التي يتلعق
بها منافع العباد في دينهم ودنياهم ، ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن وحده لكفى به بركة . ومعنى يفرق : يفصل
ويكتب كل أمر حكيم من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم منها إلى الأخرى القابلة . وقيل يبدأ في استنساخ
ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة ويقع الفراغ في ليلة القدر فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل ونسخة الحروب
إلى جبريل ، وكذلك الزلازل والصواعق والخسف ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم .
ونسخة المصائب إلى ملك الموت . وعن بعضهم : يعطى كل عامل بركات أعماله ، فيلقى على ألسنة الخلق مدحه
وعلى قلوبهم هيبته . وقرئ يفرق بالتشديد ويفرق كل على بنائه للفاعل ونصب كل والفارق الله عز وجل . وقرأ زيد
ابن علي رضي الله عنه نفرق بالنون . كل أمر حكيم : كل شأن ذي حكمة أي مفعول على ما تقتضيه الحكمة ، وهو
من الإسناد المجازى لأن الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة ووصف الأمر به مجاز ( أمرا من عندنا ) نصب
على الاختصاص جعل كل أمر جزلا فخما بأن وصفه بالحكيم ، ثم زاده جزالة وكسبه فخامة بأن قال : أعني بهذا
الأمر أمرا حاصلا من عندنا كائنا من لدنا وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا ، ويجوز أن يراد به الأمر الذي هو ضد النهى
ثم إما أن يوضع موضع فرقانا الذي هو مصدر يفرق لأن معنى الأمر والفرقان واحد من حيث إنه إذا حكم بالشئ