تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
* تدعونني لاكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار * لاجرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار
شرح
وحساب ، بل ما شئت من الزيادة على الحق والكثرة والسعة . فإن قلت : لم كرر نداء قومه ولم جاء بالواو في النداء الثالث دون الثاني ؟ قلت : أما تكرير النداء ففيه زيادة تنبيه لهم وإيقاظ عن سنة الغفلة ، وفيه أنهم قومه وعشيرته وهم فيما يوبقهم وهو يعلم وجه خلاصهم ونصيحتهم عليه واجبة فهو يتحزن لهم ويتلطف بهم ويستدعى بذلك أن لا يتهموه ، فإن سرورهم سروره وغمهم غمه ، وينزلوا على تنصيحه لهم كما كرر إبراهيم عليه السلام في نصيحة أبيه : يا أبت ، وأما المجئ بالواو العاطفة فلأن الثاني داخل على كلام هو بيان للمجمل وتفسير له ، فأعطى الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو ، وأما الثالث فداخل على كلام ليس بتلك المثابة . يقال دعاه إلى كذا ودعاه له كما تقول هداه إلى الطريق وهداه له ( ما ليس لي به علم ) أي بربوبيته ، والمراد بنفي العلم نفى المعلوم كأنه قال : وأشرك به ما ليس بإله وبإله كيف يصح أن يعلم إلها ( لاجرم ) سياقه على مذهب البصريين أن يجعل لا ردا لما دعاه إليه قومه ، وجرم فعل بمعنى حق وأن مع ما في حيزه فاعله : أي حق ووجب بطلان دعوته أو بمعنى كسب من قوله تعالى - ولا يجر منكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا - أي كسب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته على معنى أنه ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته . ويجوز أن يقال أن لاجرم نظير لابد فعل من الجرم وهو القطع ، كما أن بدا فعل من التبديد وهو التفريق ، فكما أن معنى لابد أنك تفعل كذا بمعنى لابعد لك من فعله فكذلك - لاجرم أن لهم النار - أي لاقطع لذلك بمعنى أنهم أبدا يستحقون النار لا انقطاع لاستحقاقهم ولا قطع لبطلان دعوة الأصنام : أي لا تزال باطلة لا ينقطع ذلك فينقلب حق . وروى عن العرب لاجرم أنه يفعل بضم الجيم وسكون الراء بزنة بد وفعل وفعل أخوان كرشد ورشد وعدم وعدم ( ليس له دعوة ) معناه : أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة إلى نفسه قط : أي من حق المعبود بالحق أن يدعو العباد إلى طاعته ، ثم يدعو العباد إليها إظهارا لدعوة ربهم وما تدعون إليه وإلى عبادته لا يدعو هو إلى ذلك ولا يدعى الربوبية ولو كان حيوانا ناطقا لضج من دعائكم ، وقوله ( في الدنيا ولا في الآخرة ) يعنى أنه في الدنيا جماد لا يستطيع شيئا من دعاء وغيره ، وفي
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 429 | الزمخشري