* وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع
إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن
السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب * وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم
سبيل الرشاد * يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار * من
عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك
يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب * ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني
إلى النار
شرح
لصاحب القلب . قيل الصرح : البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر وإن بعد ، اشتقوه من صرح الشئ إذا
ظهر ، و ( أسباب السماوات ) طرقها وأبوابها وما يؤدى إليها وكل ما أداك إلى شئ فهو سبب إليه كالرشاء ونحوه .
فإن قلت : ما فائدة هذا التكرير ولو قيل لعلى أبلغ أسباب السماوات لأجزأ ؟ قلت : إذا أبهم الشئ ثم أوضح كان
تفخيما لشأنه ، فلما أراد تفخيم ما أمل بلوغه من أسباب السماوات أبهمهما ثم أوضحها ، ولأنه لما كان بلوغها أمرا
عجيبا أراد أن يورده على نفس متشوفة إليه ليعطيه السامع حقه من التعجب فأبهمه ليشوف إليه نفس هامان ثم
أوضحه . وقرئ فأطلع بالنصب على جواب الترجي تشبيها للترجي بالتمني . ومثل ذلك التزيين وذلك الصد
( زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل ) والمزين إما الشيطان بوسوسته كقوله تعالى - وزين لهم الشيطان أعمالهم
فصدهم عن السبيل - أو الله تعالى على وجه التسبيب لأنه مكن الشيطان وأمهله ومثله - زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون -
وقرئ " وزين له سوء عمله " على البناء للفاعل والفعل لله عز وجل دل عليه قوله - إلى إله موسى - صد بفتح الصاد
وضمها وكسرها على نقل حركة العين إلى الفاء كما قيل . قيل والتباب : الخسران والهلاك ، وصد مصدر معطوف
على سوء عمله وصدوا هو وقومه . قال ( أهدكم سبيل الرشاد ) فأجمل لهم ، ثم فسر فافتتح بذم الدنيا وتصغير شأنها
لأن الإخلاد إليها هو أصل الشر كله ، ومنه يتشعب جميع ما يؤدى إلى سخط الله ويجلب الشقاوة في العاقبة ، وثنى
بتعظيم الآخرة والاطلاع على حقيقتها وأنها هي الوطن والمستقر ، وذكر الأعمال سيئها وحسنها وعاقبة كل منهما
ليثبط عما يتلف وينشط لما يزلف . ثم وازن بين الدعوتين دعوته إلى دين الله الذي ثمرته النجاة ودعوتهم إلى اتخاذ
الأنداد الذي عاقبته النار ، وحذر وأنذر واجتهد في ذلك واحتشد ، لاجرم أن الله استثناه من آل فرعون وجعله
حجة عليهم وعبرة للمعتبرين وهو قوله تعالى - فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب - وفي
هذا أيضا دليل بين على أن الرجل كان من آل فرعون . والرشاد نقيض الغى ، وفيه تعريض شبيه بالتصريح أن
ما عليه فرعون وقومه هو سبيل الغى ( فلا يجزى إلا مثلها ) لأن الزيادة على مقدار جزاء السيئة قبيحة لأنها ظلم ، وأما
الزيادة على مقدار جزاء الحسنة فحسنة لأنها فضل . قرئ يدخلون ويدخلون ( بغير حساب ) واقع في مقابلة إلا
مثلها : يعنى أن جزاء السيئة له حساب وتقدير لئلا يزيد على الاستحقاق ، فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير