تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
* وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب * وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد * يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار * من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب * ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار
شرح
لصاحب القلب . قيل الصرح : البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر وإن بعد ، اشتقوه من صرح الشئ إذا ظهر ، و ( أسباب السماوات ) طرقها وأبوابها وما يؤدى إليها وكل ما أداك إلى شئ فهو سبب إليه كالرشاء ونحوه . فإن قلت : ما فائدة هذا التكرير ولو قيل لعلى أبلغ أسباب السماوات لأجزأ ؟ قلت : إذا أبهم الشئ ثم أوضح كان تفخيما لشأنه ، فلما أراد تفخيم ما أمل بلوغه من أسباب السماوات أبهمهما ثم أوضحها ، ولأنه لما كان بلوغها أمرا عجيبا أراد أن يورده على نفس متشوفة إليه ليعطيه السامع حقه من التعجب فأبهمه ليشوف إليه نفس هامان ثم أوضحه . وقرئ فأطلع بالنصب على جواب الترجي تشبيها للترجي بالتمني . ومثل ذلك التزيين وذلك الصد ( زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل ) والمزين إما الشيطان بوسوسته كقوله تعالى - وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل - أو الله تعالى على وجه التسبيب لأنه مكن الشيطان وأمهله ومثله - زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون - وقرئ " وزين له سوء عمله " على البناء للفاعل والفعل لله عز وجل دل عليه قوله - إلى إله موسى - صد بفتح الصاد وضمها وكسرها على نقل حركة العين إلى الفاء كما قيل . قيل والتباب : الخسران والهلاك ، وصد مصدر معطوف على سوء عمله وصدوا هو وقومه . قال ( أهدكم سبيل الرشاد ) فأجمل لهم ، ثم فسر فافتتح بذم الدنيا وتصغير شأنها لأن الإخلاد إليها هو أصل الشر كله ، ومنه يتشعب جميع ما يؤدى إلى سخط الله ويجلب الشقاوة في العاقبة ، وثنى بتعظيم الآخرة والاطلاع على حقيقتها وأنها هي الوطن والمستقر ، وذكر الأعمال سيئها وحسنها وعاقبة كل منهما ليثبط عما يتلف وينشط لما يزلف . ثم وازن بين الدعوتين دعوته إلى دين الله الذي ثمرته النجاة ودعوتهم إلى اتخاذ الأنداد الذي عاقبته النار ، وحذر وأنذر واجتهد في ذلك واحتشد ، لاجرم أن الله استثناه من آل فرعون وجعله حجة عليهم وعبرة للمعتبرين وهو قوله تعالى - فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب - وفي هذا أيضا دليل بين على أن الرجل كان من آل فرعون . والرشاد نقيض الغى ، وفيه تعريض شبيه بالتصريح أن ما عليه فرعون وقومه هو سبيل الغى ( فلا يجزى إلا مثلها ) لأن الزيادة على مقدار جزاء السيئة قبيحة لأنها ظلم ، وأما الزيادة على مقدار جزاء الحسنة فحسنة لأنها فضل . قرئ يدخلون ويدخلون ( بغير حساب ) واقع في مقابلة إلا مثلها : يعنى أن جزاء السيئة له حساب وتقدير لئلا يزيد على الاستحقاق ، فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير