يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور . والله يقضى بالحق والذين يدعون من
دونه لا يقضون بشئ إن الله هو السميع البصير . أولم يسيروا في الأرض فينظروا
كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم
شرح
ولا ترى الضب بها ينجحر * يريد نفى الضب وانجحاره . فإن قلت : فعلى أي الاحتمالين يجب حمله ؟ قلت :
على نفى الأمرين جميعا من قبل أن الشفعاء هم أولياء الله وأولياء الله لا يحبون ولا يرضون إلا من أحبه الله ورضيه ،
وإن الله لا يحب الظالمين فلا يحبونهم ، وإذا لم يحبوهم لم ينصروهم ولم يشفعوا لهم ، قال الله تعالى - وما للظالمين من
أنصار - وقال - ولا يشفعون إلا لمن ارتضى - ولأن الشفاعة لا تكون إلا في زيادة التفضل وأهل التفضل وزيادته
إنما هم أهل الثواب بدليل قوله تعالى - ويزيدهم من فضله - وعن الحسن رضي الله عنه : والله ما يكون لهم شفيع
البتة . فإن قلت : الغرض حاصل بذكر الشفيع ونفيه فما الفائدة في ذكر هذه الصفة ونفيها ؟ قلت : في ذكرها
فائدة جليلة وهى أنها ضمت إليه ليقام انتقاء الموصوف مقام الشاهد على انتقاء الصفة لأن لا تتألى بدون
موصوفها ، فيكون ذلك إزالة لتوهم وجود الموصوف بيانه أنك إذا عوتبت على القعود عن الغزو فقلت : مالي
فرس أركبه ولا معي سلاح أحارب به ، فقد جعلت عدم الفرس وفقد السلاح علة مانعة من الركوب والمحاربة
كأنك تقول : كيف يتألى التشفيع ولا شفيع ، فكأن ذكر التشفيع والاستشهاد على عدم تأتيه بعدم الشفيع وضعا لانتفاء
الشفيع موضع الأمر المعروف غير المنكر الذي لا ينبغي أن يتوهم خلافه . الخائنة صفة للنظرة أو مصدر بمعنى
الخيانة كالعافية بمعنى المعافاة ، والمراد استراق النظر إلى مالا يحل كما يفعل أهل الريب ، ولا يحسن أن يراد الخائنة
من الأعين لأن قوله - وما تخفى الصدور - لا يساعد عليه . فإن قلت : بم اتصل قوله ( يعلم خائنة الأعين ) ؟ قلت :
هو خبر من أخبار هو في قوله - هو الذي يريكم - مثل - يلقى الروح - ولكن يلقى الروح قد علل بقوله - لينذر يوم
التلاق - ثم استطرد ذكر أحوال يوم التلاق إلى قوله - ولا شفيع يطاع - فبعد لذلك عن أخواته ( والله يقضى بالحق )
يعنى والذي هذه صفاته وأحواله لا يقضى إلا بالحق والعدل لاستغنائه عن الظلم . وآلهتكم لا يقضون بشئ ، وهذا
تهكم بهم لأن مالا يوصف بالقدرة لا يقال فيه يقضى أولا يقضى ( إن الله هو السميع البصير ) تقرير لقوله - يعلم
خائنة الأعين وما تخفى الصدور - ووعيد لهم بأنه يسمع ما يقولون ويبصر ما يعملون وأنه يعاقبهم عليه وتعريض بما