تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم وأن يظهر في الأرض الفساد . وقال موسى إني عذت بربى وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب . وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا
شرح
تخافه وهو أقل من ذلك وأضعف وما هو إلا بعض السحرة ومثله لا يقاوم إلا ساحرا مثله ، ويقولون إذا قتلته أدخلت الشبهة على الناس واعتقدوا أنك قد عجزت عن معارضته بالحجة ، والظاهر أن فرعون لعنه الله كان قد استيقن أنه نبي وأن ما جاء به آيات وما بسحر ، ولكن الرجل كان فيه خب وجربزة ، وكان قتالا سفاكا للدماء في أهون شئ ، فكيف لا يقتل من أحس منه بأنه هو الذي يثل عرشه ويهدم ملكه ، ولكنه كان يخاف إن هم بقتله أن يعاجل بالهلاك ، وقوله ( وليدع ربه ) شاهد صدق على فرط خوفه منه ومن دعوته ربه وكان قوله - ذروني أقتل موسى - تمويها على قومه وإيهاما أنهم هم الذين يكفونه ، وما كان يكفه إلا ما في نفسه من هول الفزع ( أن يبدل دينكم ) أن يغير ما أنتم عليه وكانوا يعبدونه ويعبدون الأصنام بدليل قوله - ويذرك وآلهتك - والفساد في الأرض : التفاتن والتهارج الذي يذهب معه الأمن وتتعطل المزارع والمكاسب والمعايش ويهلك الناس قتلا وضياعا كأنه قال : إني أخاف أن يفسد عليكم دينكم بدعوتكم إلى دينه ، أو يفسد عليكم دنياكم بما يظهر من الفتن بسببه . وفى مصاحف أهل الحجاز وأن يظهر بالواو معناه : إني أخاف فساد دينكم ودنياكم معا . وقرئ يظهر من أظهر والفساد منصوب ، أي يظهر موسى الفساد . وقرئ يظهر بتشديد الظاء والهاء من تظهر بمعنى تظاهر : أي تتابع وتعاون . لما سمع موسى عليه السلام بما أجراه فرعون من حديث قتله قال لقومه ( إني عذت ) بالله الذي هو ربى وربكم ، وقوله وربكم فيه بعث لهم على أن يقتدوا به فيعوذوا بالله عياذه ويعتصموا بالتوكل عليه اعتصامه ، وقال ( من كل متكبر ) لتشمل استعاذته فرعون وغيره من الجبابرة وليكون على طريقة التعريض فيكون أبلغ ، وأراد بالتكبر الاستكبار عن الإذعان للحق وهو أقبح استكبار وأدله على دناءة صاحبه ومهانة نفسه وعلى فرط ظلمه وعسفه وقال ( لا يؤمن بيوم الحساب ) لأنه إذا اجتمع في الرجل التجبر والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة فقد استكمل أسباب القسوة والجراءة على الله وعباده ولم يترك عظيمة إلا ارتكبها وعذت ولذت أخوان . وقرئ عت بالإدغام ( رجل مؤمن ) وقرئ رجل بسكون الجيم كما يقال عضد في عضد وكان قبطيا ابن عم لفرعون آمن بموسى سرا ، وقيل كان إسرائيليا ، و ( من آل فرعون ) صفة لرجل أو صلة ليكتم : أي يكتم إيمانه من آل
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 423 | الزمخشري