تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون * قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون * ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين * بل الله فاعبد
شرح
التعريب أحالها عربية كما أخرج الاستعمال المهمل من كونه مهملا . فإن قلت : بما اتصل قوله ( والذين كفروا ) ؟ قلت : بقوله - وينجى الله الذين اتقوا - أي ينجى الله المتقين بمفازتهم والذين كفروا هم الخاسرون ، واعترض بينهما بأنه خالق الأشياء كلها وهو مهيمن عليها ، فلا يخفى عليه شئ من أعمال المكلفين فيها وما يستحقون عليها من الجزاء ، وقد جعل متصلا بما يليه على أن كل شئ في السماوات والأرض فالله خالقه وفاتح بابه ، والذين كفروا وجحدوا أن يكون الأمر كذلك أولئك هم الخاسرون . وقيل " سأل عثمان رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله تعالى - له مقاليد السماوات والأرض - فقال : يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك ، تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ، هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيى ويميت وهو على كل شئ قدير " وتأويله على هذا : إن لله هذه الكلمات يوحد بها ويمجد وهى مفاتيح خير السماوات والأرض من تكلم بها من المتقين أصابه ، والذين كفروا بآيات الله وكلمات توحيده وتمجيده أولئك هم الخاسرون ( أفغير الله ) منصوب بأعبد ، و ( تأمروني ) اعتراض ، ومعناه : أفغير الله أعبد بأمركم ، وذلك حين قال له المشركون : استلم بعض آلهتنا ونؤمن بإلهك ، أو ينصب بما يدل عليه جملة قوله تأمروني أعبد لأنه في معنى تعبدونني وتقولون لي أعبد والأصل تأمرونني أن أعبد فحذف أن ورفع الفعل كما في قوله * ألا أيها الزاجري أحضر الوغى * ألا تراك تقول : أفغير الله تقولون لي اعبده وأفغير الله تقولون لي أعبد ، فكذلك أفغير الله تأمرونني أن أعبده وأفغير الله تأمرونني أن أعبد ، والدليل على صحة هذا الوجه قراءة من قرأ أعبد بالنصب . وقرئ تأمرونني على الأصل وتأمروني على إدغام النون أو حذفها . قرئ ليحبطن عملك وليحبطن على البناء للمفعول ولنحبطن بالنون والياء : أي ليحبطن الله أو الشرك . فإن قلت : الموحى إليهم جماعة فكيف قال ( لئن أشركت ) على التوحيد ؟ قلت : معناه أوحى إليك لئن أشركت ليحبطن عملك وإلى الذين من قبلك مثله ، أو أوحى إليك وإلى كل واحد منهم لئن أشركت كما تقولي كسانا حلة : أي كل واحد منا . فإن قلت : ما الفرق بين اللامين ؟ قلت : الأولى موطئة للقسم المحذوف والثانية لام الجواب ، وهذا الجواب ساد مسد الجوابين : أعني جوابي القسم والشرط . فإن قلت : كيف صح هذا الكلام مع علم الله تعالى أن رسله لا يشركون ولا تحبط أعمالهم ؟ قلت : هو على سبيل الفرض ، والمحالات يصح فرضها لأغراض فكيف بما ليس بمحال ، ألا ترى إلى قوله - ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا - يعنى على سبيل الإلجاء ولن يكون ذلك لامتناع الداعي إليه ووجود الصارف عنه . فإن قلت : ما معنى قوله ولتكونن من الخاسرين ؟ قلت : يحتمل ولتكونن من الخاسرين بسبب حبوط العمل ، ويحتمل ولتكونن في الآخرة من جملة الخاسرين الذين خسروا أنفسهم إن مت على الردة ، وبحوز أن يكون غضب الله على الرسول أشد فلا يمهله بعد الردة ، ألا ترى إلى قوله تعالى - إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات - ( بل الله فاعبد ) رد لما أمروه به من استلام بعض آلهتهم كأنه قال : لا تعبد ما أمروك بعبادته بل إن كنت عاقلا فاعبد الله ، فحذف الشرط وجعل تقديم المفعول عوضا
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 407 | الزمخشري