تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون * أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين * أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين * أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين *
شرح
ما أنزل إليكم من ربكم ) مثل قوله - الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه - ( وأنتم لا تشعرون ) أي يفجؤكم وأنتم غافلون كأنكم لا تخشون شيئا لفرط غفلتكم وسهوكم ( أن تقول نفس ) كراهة أن تقول . فإن قلت : لم نكرت ؟ قلت : لأن المراد بها بعض الأنفس وهى نفس الكافر ، ويجوز أن يراد نفس متميزة من الأنفس إما بلجاج في الكفر شديد أو بعذاب عطيم ، ويجوز أن يراد التكثير ، كما قال الأعشى : ورب بقيع لو هتفت بجوه * أتاني كريم ينفض الرأس مغضبا وهو يريد أفواجا من الكرام ينصرونه لا كريما واحدا ، ونظيره رب بلد قطعت ورب بطل قارعت وقد اختلس الطعنة ولا يقصد إلا التكثير . وقرئ يا حسرتي على الأصل ويا حسرتاي على الجمع بين العوض والمعوض منه . والجنب الجانب ، يقال أنا في جنب فلا وجانبه وناحيته وفلان لين الجنب والجانب ثم قالوا : فرط في جنبه وفى جانبه يريدون في حقه ، قال سابق البربري : أما تتقين الله في جنب وامق * له كبد حرى عليك تقطع وهذا من باب الكناية لأنك إذا أثبت الأمر في مكان الرجل وحيزه فقد أثبته فيه ، ألا ترى إلى قوله : إن السماحة والمرؤة والندى * في قبة ضربت على ابن الحشرج ومنه قول الناس لمكانك فعلت كذا يريدون لأجلك ، وفي الحديث " من الشرك الخفي أن يصلى الرجل لمكان الرجل " وكذلك فعلت هذا من جهتك فمن حيث لم يبق فرق فيما يرجع إلى أداء الغرض بين ذكر المكان وتركه ، قيل ( فرطت في جنب الله ) على معنى فرطت في ذات الله : فإن قلت : فمر جع كلامك إلى أن ذكر الجنب كلا ذكر سوى ما يعطى من حسن الكناية وبلاغتها فكأنه قيل فرطت في الله فما معنى فرطت في الله ؟ قلت : لابد من تقدير مضاف محذوف سواء ذكر الجنب أولم يذكر ، والمعنى : فرطت في طاعة الله وما أشبه ذلك ، وفي حرف عبد الله وحفصة في ذكر الله . وما في فرطت مصدرية مثلها في بما رحبت ( وإن كنت لمن الساخرين ) قال قتادة لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها ومحل وإن كنت النصب على الحال كأنه قال فرطت وأنا ساخر : أي فرطت في حال سخريتي . وروى أنه كان في بني إسرائيل عالم ترك علمه وفسق وأتاه إبليس وقال له تمتع من الدنيا ثم تب فأطاعه ، وكان له مال فأنفقه في الفجور ، فأتاه ملك الموت في ألذ ما كان فقال : يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ، ذهب عمري في طاعة الشيطان وأسخطت ربى ، فندم حين لم ينفعه الندم ، فأنزل الله خبره في القرآن ( لو أن الله هداني ) لا يخلوا إما أن يريد به الهداية بالإلجاء أو بالإلطاف أو بالوحي ، فالإلجاء خارج عن الحكمة ولم