تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
* والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد هذا عطاءنا فامنن أو أمسك بغير حساب * وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب * واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب * ووهبنا له أهله
شرح
طلبتنا ورجعا . ويقال أصاب الله بك خيرا ( والشياطين ) عطف على أريح ( كل بناء ) بدل من الشياطين ( وآخرين ) عطف على كل داخل في حكم البدل وهو بدل الكل من الكل كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية ويغوصون له فيستخرجون اللؤلؤ ، وهو أول من استخرج الدر من البحر . وكان يقرن مردة الشياطين بعضهم مع بعض في القيود والسلاسل للتأديب والكف عن الفساد . وعن السدى : كان يجمع أيديهم إلى أعناقهم مغللين في الجوامع . والصفد : القيد ، وسمى به العطاء لأنه ارتباط للمنعم عليه ، ومنه قول علي رضي الله عنه : من برك فقد أسرك ، ومن جفاك فقد أطلقك ، ومنه قول القائل : غل يدا مطلقها وأرق رقبة معتقها . وقال حبيب : أن العطاء إسار ، وتبعه من قال * ومن أوجد الإحسان قيدا تقيدا * وفرقوا بين الفعلين فقالوا : صفده قيده وأصفده أعطاه كوعده وأوعده : أي ( هذا ) الذي أعطيناك من الملك والمال والبسطة ( عطاؤنا ) بغير حساب : يعنى جما كثيرا لا يكاد يقدر على حبسه وحصره ( فامنن ) من المنة وهى العطاء : أي فأعط منه ما شئت ( أو أمسك ) مفوضا إليك التصرف فيه ، وفي قراءة ابن مسعود هذا فامنن أو أمسك عطاؤنا بغير حساب ، أو هذا التسخير عطاؤنا فامنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق وأمسك من شئت منهم في الوثاق بغير حساب : أي لاحساب عليك في ذلك ( أيوب ) عطف بيان ، و ( إذ ) بدل اشتمال منه ( أنى مسني ) بأني مسني ، حكاية لكلامه الذي ناداه بسببه ولو لم يحك لقال بأنه مسه لأنه غائب . وقرئ بنصب بضم النون وفتحها مع سكون الصاد وبفتحهما وضمهما ، فالنصب والنصب كالرشد والرشد والنصب على أصل المصدر والنصب تثقيل نصب ، والمعنى واحد وهو التعب والمشقة . والعذاب : الألم ، يريد مرضه وما كان يقاسى فيه من أنواع الوصب . وقيل الضر في البدن والعذاب في ذهاب الأهل والمال . فإن قلت : لم نسبه إلى الشيطان ولا يجوز أن يسلطه الله على أنبيائه ليقضى من إتعابهم وتعذيبهم وطره ، ولو قدر على ذلك لم يدع صالحا إلا وقد نكبه وأهلكه ، وقد تكرر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة فحسب ؟ قلت : لما كانت وسوسته إليه وطاعته له فيما وسوس سبب فيما مسه الله به من النصب والعذاب نسبه إليه ، وقد راعى الأدب في ذلك حيث لم ينسبه إلى الله في دعائه مع أنه فاعله ولا يقدر عليه إلا هو . وقيل أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه من تعظيم ما نزل به من البلاء ويغريه على الكراهة والجزع ، فالتجأ إلى الله تعالى في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء أو بالتوفيق في دفعه ورده بالصبر الجميل . وروى أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين فارتد أحدهم فسأل عنه فقيل : ألقى إليه الشيطان أن الله لا يبتلى الأنبياء والصالحين ، وذكر في سبب بلائه أن رجلا استغاثه على ظالم فلم يغثه ، وقيل كانت مواشيه في ناحية ملك كافر فداهمه ولم يغزه ، وقيل أعجب بكثرة ماله ( ركض برجلك ) حكاية ما أجيب به أيوب ، أي اضرب برجلك الأرض . وعن قتادة هي أرض الجابية فضربها فنبعت عين فقيل ( هذا مغتسل بارد وشراب ) أي هذا ماء تغتسل به وتشرب منه فيبرأ باطنك وظاهرك وتنقلب ما بك قلبة . وقيل نبعت له عينان فاغتسل من إحداهما وشرب من الأخرى فذهب الداء من ظاهره وباطنه بإذن الله . وقيل