تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
* ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق ولقد فتنا سليمان
شرح
وسأل رجل بلالا رضي الله عنه عن قوم يستبقون من السابق فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له الرجل : أردت الخيل ، فقال : وأنا أردت الخير . والتواري بالحجاب مجاز في غروب الشمس عن توارى الملك أو المخبأة بحجابها ، والذي دل على أن الضمير للشمس مرور ذكر العشى ولابد للمضمر من جرى ذكر أو دليل ذكر . وقيل الضمير للصافنات : أي حتى توارت بحجاب الليل : يعنى الظلام . ومن بدع التفاسير أن الحجاب جبل دون قاف بمسيرة سنة تغرب الشمس من ورائه ( فطفق مسحا ) فجعل يمسح مسحا : أي يمسح بالسيف بسوقها وأعناقها : يعنى يقطعها ، يقال مسح علاوته إذا ضرب عنقه ، ومسح المسفر الكتاب إذا قطع أطرافه بسيفه . وعن الحسن : كسف عراقيبها وضرب أعناقها ، أراد بالكسف القطع ومنه الكسف في ألقاب الزحاف في العروض ، ومن قاله بالشين المعجمة فمصحف . وقيل مسحها بيده استحسانا لها وإعجابا بها . فإن قلت : بم اتصل قوله ردوها على ؟ قلت : بمحذوف تقديره : قال ردوها على فأضمر وأضمر ما هو جواب له كأن قائلا قال : فماذا قال سليمان ؟ لأنه موضع مقتض للسؤال اقتضاء ظاهرا وهو اشتغال نبي من أنبياء الله بأمر الدنيا حتى تفوته الصلاة عن وقتها . وقرئ بالسؤوق بهمز الواو لضمتها كما في أدؤر ونظيره الغؤر في مصدر غارت الشمس ، وأما من قرأ بالسؤق فقد جعل الضمة في السين كأنها في الواو للتلاصق كما قيل مؤسى ، ونظير ساق وسوق أسد وأسد . وقرئ بالساق اكتفاء بالواحد عن الجمع لأمن الإلباس . قيل فتن سليمان بعد ما ملك عشرين سنة ، وملك بعد الفتنة عشرين سنة . وكان من فتنته أنه ولد له ابن فقالت الشياطين : إن عاش لم ننفك من السخرة فسبيلنا أن نقتله أو نخبله ، فلعم ذلك فكان يغدوه في السحابة فما راعه إلا أن ألقى على كرسيه ميتا ، فتنبه على خطئه في أن لم يتوكل فيه على ربه فاستغفر ربه وتاب إليه . وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم " قال سليمان : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل واحدة تأتى بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله ، فطاف عليهن فلم يحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل ، والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون " فذلك قوله تعالى ( ولقد فتنا سليمان ) وهذا ونحوه مما لا بأس به ، وأما ما يروى من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان فالله أعلم بصحته . حكوا أن سليمان بلغه خبر صيدون وهى مدينة في بعض الجزائر وأن بها ملكا عظيم الشأن لا يقوى عليه لتحصنه بالبحر ، فخرج إليه تحمله الرياح حتى أناخ بها بجنوده من الجن والإنس ، فقتل ملكها وأصاب بنتا له اسمها جرادة من أحسن الناس وجها ، فاصطفاها لنفسه وأسلمت وأحبها ، وكانت لا يرقأ دمعها حزنا على أبيها ، فأمر الشياطين فمثلوا لها صورة أبيها فكستها مثل كسوته وكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدون له كعادتهن في ملكه ، فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر الصورة وعاقب المرأة ، ثم خرج وحده إلى فلاة وفرش له الرماد ، فجلس عليه تائبا إلى الله متضرعا ، وكانت له أم ولد يقال لها أمينة إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها ، وكان ملكه في خاتمه فوضعه عندها يوما وأتاها الشيطان صاحب البحر وهو الذي دل سليمان على الماس حين أمر ببناء بيت المقدس واسمه صخر على صورة سليمان ، فقال : يا أمينة خاتمي ، فتختم به وجلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير والجن والإنس ، وغير سليمان عن هيئته فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته وطردته ، فعرف أن الخطيئة قد أدركته ، فكان يدور على البيوت يتكفف ، فإذا قال أنا سليمان حثوا عليه التراب وسبوه ، ثم عمد إلى
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 374 | الزمخشري