* إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى
الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار * واذكر
إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار * هذا ذكر
وإن للمتقين لحسن مآب جنات عدن مفتحة لهم الأبواب
متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب
* وعندهم قاصرات الطرف أتراب
شرح
الأبد على طرح الياء والاكتفاء بالكسرة وتفسيره بالأيد من التأييد قلق غير متمكن ( أخلصناهم ) جعلناهم خالصين
( بخالصة ) بخصلة خالصة لا شوب فيها . ثم فسرها بذكرى الدار شهادة لذكرى الدار بالخلوص والصفاء وانتفاء
الكدورة عنها . وقرئ على الإضافة ، والمعنى : بما خلص من ذكرى الدار على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بهم آخر
إنما همهم ذكرى الدار لاغير ، ومعنى ذكرى الدار : ذكراهم الآخرة دائبا ونسيانهم إليها ذكر الدنيا ، أو
تذكيرهم الآخرة وترغيبهم فيها وتزهيدهم في الدنيا كما هو شأن الأنبياء وديدنهم . وقيل ذكرى الدار : الثناء الجميل
في الدنيا ولسان الصدق الذي ليس لغيرهم . فإن قلت : ما معنى أخلصناهم بخالصة ؟ قلت : معناه أخلصناهم بسبب
هذه الخصلة وبأنهم من أهلها ، أو أخلصناهم بتوفيقهم لها واللطف بهم في اختيارها ، وتعضد الأول قراءة من قرأ
بخالصتهم ( المصطفين ) المختارين من أبناء جنسهم ، و ( الأخيار ) جمع خير ، أو خير على التخفيف كالأموات في
جمع ميت أو ميت ( واليسع ) كأن حرف التعريف دخل على يسع . وقرئ والليسع كأن حرف التعريف دخل على
ليسع فيعل من اللسع . والتنوين في ( وكل ) عوض من المضاف إليه معناه : وكلهم من الأخيار ( هذا ذكر ) أي
هذا نوع من الذكر وهو القرآن . لما أجرى ذكر الأنبياء وأتمه وهو باب من أبواب التنزيل ونوع من أنواعه ،
وأراد أن يذكر على عقبه بابا آخر وهو ذكر الجنة وأهلها ، قال هذا ذكر ثم قال ( وإن للمتقين ) كما يقول
الجاحظ في كتبه فهذا باب ثم يشرع في باب آخر . ويقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع في
آخر : هذا وقد كان كيت وكيت ، والدليل عليه أنه لما أتم ذكر أهل الجنة وأراد أن يعقبه بذكر أهل النار قال
هذه وإن للطاغين ، وقيل معنها : هذا شرف وذكر جميل يذكرون به أبدا . وعن ابن عباس رضي الله عنه : هذا
ذكر من مضى من الأنبياء ( جنات عدن ) معرفة لقوله - جنات عدن التي وعد الرحمن - وانتصابها على أنها عطف
بيان لحسن مآب ، و ( مفتحة ) حال والعامل فيها ما في للمتقين من معنى الفعل ، وفي مفتحة ضمير الجنات ،
والأبواب بدل من الضمير تقديره مفتحة هي الأبواب كقولهم : ضرب زيد اليد والرجل وهو من بدل الاشتمال .
وقرئ جنات عدن مفتحة بالرفع على أن جنات عدن مبتدأ ومفتحة خبره أو كلاهما خبر مبتدأ محذوف : أي هو