تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
* هذا ما توعدون ليوم الحساب إن هذا لرزقنا ما له من نفاد * هذا وإن للطاغين لشر مآب * جهنم يصلونها فبئس المهاد * هذا فليذوقوه حميم وغساق * وآخر من شكله أزواج * هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار * قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار
شرح
جنات عدن هي مفتحة لهم . كأن اللدات سمين أترابا لأن التراب مسهن في وقت واحد ، وإنما جعلن على سن واحدة لأن التحاب بين الأقران أثبت . وقيل هن أتراب لأزواجهن أسنانهن كأسنانهم . قرئ يوعدون بالتاء والياء ( ليوم الحساب ) لأجل يوم الحساب كما تقول هذا ما تدخرونه ليوم الحساب : أي ليوم تجزى كل نفس ما عملت ( هذا ) أي الأمر هذا أو هذا كما ذكر ( فبئس المهاد ) كقوله - لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش - شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفترشه النائم : أي هذا جميم فليذوقوه أو العذاب هذا فليذوقوه ، ثم ابتدأ فقال هو ( حميم وغساق ) أو هذا فليذوقوه بمنزلة - وإياي فارهبون - آي ليذوقوا . هذا فليذوقوه . والغساق بالتخفيف والتشديد : ما يغسق من صديد أهل النار ، يقال غسقت العين إذا سال دمعها . وقيل الحميم يحرق بحره والغساق يحرق ببرده . وقيل لو قطرت منه قطرة في المشرق لنتنت أهل المغرب ، ولو قطرت منه قرة في المغرب لنتنت أهل المشرق . وعن الحسن رضي الله عنه : الغساق عذاب لا يعلمه إلا الله تعالى : إن الناس أخفوا لله طاعة فأخفى لهم ثوابا في قوله - فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين - وأخفوا معصية فأخفى لهم عقوبة ( وأخر ) ومذوقات أخر من شكل هذا المذوق من مثله في الشدة والفظاعة ( أزواج ) أجناس ، وقرئ وآخر : أي وعذاب آخر أو ومذوق آخر ، وأزواج صفة لآخر لأنه يجوز أن يكون ضروبا أو صفة للثلاثة وهى حميم وغساق وآخر من شكله ، وقرئ من شكله بالكسر وهى لغة ، وأما الغنج فبالكسر لاغير ( هذا فوج مقتحم معكم ) هذا جمع كثيف قد اقتحم معكم النار أي دخل النار في صحبتكم وقرانكم والاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها والقحمة الشدة ، هذه حكاية كلام الطاغين بعضهم مع بعض : أي يقولون هذا ، والمراد بالفوج أتباعهم الذين اقتحموا معهم الضلالة فيقتحمون معهم العذاب ( لا مرحبا بهم ) دعاء منهم على أتباعهم تقول لمن تدعو له مرحبا : أي أتيت رحبا من البلاد لا ضيقا أو رحبت بلادك رحبا ثم تدخل عليه " لا " في دعاء السوء ، وبهم بيان للمدعو عليهم ( إنهم صالوا النار ) تعليل لاستيجابهم الدعاء عليهم ، ونحوث قوله تعالى - كلما دخلت أمة لعنت أختها - وقيل هذا فوج مقتحم معكم كلام الخزنة لرؤساء الكفرة في أتباعهم ولا مرحبا بهم إنهم صالوا النار كلام الرؤساء . وقيل هذا كله كلام الخزنة ( قالوا ) أي الأتباع ( بل أنتم لا مرحبا بكم ) يريدون الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به وعللوا ذلك بقولهم ( أنتم قدمتموه لنا ) والضمير للعذاب أو لصليهم . فإن قلت : ما معنى تقديمهم العذاب لهم ؟ قلت : المقدم هو عمل السوء ، قال الله تعالى - ذوقوا عذاب الحريق ، ذلك بما قدمت أيديكم - ولكن الرؤساء لما كانوا السبب فيه بإغوائهم وكان العذاب جزاءهم عليه قيل أنتم قدمتموه لنا فجعل الرؤساء هم المقدمين وجعل الجزاء هو المقدم ، فجمع بين مجازين لأن العاملين هم المقدمون في الحقيقة لا رؤساؤهم والعمل هو المقدم لا جزاؤه . فإن قلت : فالذي جعل قوله " لا مرحبا
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 379 | الزمخشري