تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب * فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض
شرح
الشركاء الذين خلطوا أموالهم الواحد خليط وهى الخلطة وقد غلبت في الماشية ، والشافعي رحمه الله يعتبرها ، فإذا كان الرجلان خليطين في ماشية بينهما غير مقسومة أو لكل واحد منهما ماشية على حدة ، إلا أن مراحهما ومسقاهما وموشع حلبهما والراعي والكلب واحد والفحولة مختلطة فهما يزكيان زكاة الواحد ، فإن كان لهما أربعون شاة فعليهما شاة ، وإن كانوا ثلاثة ولهم مائة وعشرون لكل واحد أربعون فعليهم واحدة كما لو كانت لواحد . وعند أبي حنيفة لا تعتبر الخلطة والخليط والمنفرد عنده واحد ، ففي أربعين بين خليطين لا شئ عنده ، وفي مائة وعشرين بين ثلاثة ثلاث شياه . فإن قلت : فهذه الخلطة ما تقول فيها ؟ قلت : عليهما شاة واحدة فيجب على ذي النعجة أداء جزء من مائة جزء من الشاة عند الشافعي رحمه الله ، وعند أبي حنيفة لا شئ عليه ؟ فإن قلت : ماذا أراد بذكر حال الخلطاء في ذلك المقام ؟ قلت : قصد به الموعظة الحسنة والترغيب في إيثار عادة الخلطاء الصلحاء الذين حكم لهم بالقلة ، وأن يكره إليهم الظلم والاعتداء الذي عليه أكثرهم مع التأسف على حالهم ، وأن يسلى المظلوم عما جرى عليه من خليطه وأن له في أكثر الخلطاء أسوة . وقرئ ليبغى بفتح الياء على تقدير النون الخفيفة وحذفها كقوله : * اضرب عنك الهموم طارقها * وهو جواب قسم محذوف وليبغ بحذف الياء اكتفاء عنها بالكسرة و " ما " في ( وقليل ما هم ) للإبهام وفيه تعجب من قلتهم ، وإن أردت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها من قول امرئ القيس : * وحديث ما على قصره * وانظر هل بقي له معنى قط ؟ لما كان الظن الغالب يدانى العلم أستعير له ، ومعناه : وعلم داود وأيقن ( أنما فتناه ) أنا ابتليناه لا محالة بامرأة أوريا هل يثبت أو يزل . وقرئ فتناه بالتشديد للمبالغة وأفتناه من قوله * لئن فتنتني لهى بالأمس أفتنت * وفتناه وفتناه على أن الألف ضمير الملكين ، وعبر بالراكع عن الساجد لأنه ينحنى ويخضع كالساجد ، وبه استشهد أبو حنيفة وأصحابه في سحدة التلاوة على أن الركوع يقوم مقام السجود . وعن الحسن : لأنه لا يكون ساجدا حتى يركع . ويجوز أن يكون قد استغفر الله لذنبه وأحرم بركعتي الاستغفار والإنابة ، فيكون المعنى : وخر للسجود راكعا : أي مصليا لأن الركوع يجعل عبارة عن الصلاة ( وأناب ) ورجع إلى الله تعالى بالتوبة والتنصل . وروى أنه بقي ساجدا أربعين يوما وليلة لا يرفع رأسه إلا لصلاة مكتوبة أو مالا بد منه ، ولا يرقأ دمعه حتى نبت العشب من دمعه إلى رأسه ، ولم يشرب ماء إلا وثلثاه دمع وجهد نفسه راغبا إلى الله تعالى في العفو عنه حتى كاد يهلك ، واشتغل بذلك عن الملك حتى وثب ابن له يقال له إيشا على ملكه ودعا إلى نفسه واجتمع إليه أهل الزيغ من بني إسرائيل ، فلما غفر له حاربه فهزمه . وروى أنه نقش خطيئته في كفه حتى لا ينساها . وقيل إن الخصمين كانا من الإنس وكانت الخصومة على الحقيقة بينهما ، إما كانا خليطين في الغنم ، وإما كان أحدهما موسرا وله نسوان كثيرة من المهائر والسراري . والثاني معسرا ماله إلا امرأة واحدة فاستنزله عنها ، وإنما فزع لدخولهما عليه في غير وقت الحكومة أن يكونا مغتالين ، وما كان ذنب داود إلا أنه صدق أحدهما على الآخر وظلمه قبل مسئلته ( خليفة في الأرض ) أي استخلفناك على الملك في الأرض كمن يستخلفه بعض السلاطين على بعض البلاد ويملكه عليها ، ومنه قولهم خلفاء الله في أرضه ، أو جعلناك خليفة ممن