فاحكم بين الناس
بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون
عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب * وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا
فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا
الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار
* كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو
الألباب ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب
شرح
كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحق ، وفيه دليل على أن حاله بعد التوبة بقيت على ما كانت عليه لم تتغير ( فاحكم
بين الناس بالحق ) أي بحكم الله تعالى إذ كنت خليفته ( ولا تتبع ) هوى النفس في قضائك وغيره مما تنصرف فيه
من أسباب الدين والدنيا ( فيضلك ) الهوى فيكون سببا لضلالك ( عن سبيل الله ) عن دلائله التي نصبها في العقول
وعن شرائعه التي شرعها وأوحى بها . و ( يوم الحساب ) متعلق بنسوا : أي بنسيانهم يوم الحساب أو بقوله لهم :
أي لهم عذاب يوم القيامة بسبب نسيانهم وهو ضلالهم عن سبيل الله . وعن بعض خلفاء بنى مروان أنه قال لعمر بن
عبد العزيز أو للزهري : هل سمعت ما بلغنا ؟ قال : وما هو ؟ قال : بلغنا أن الخليفة لا يجرى عليه القلم ولا تكتب
عليه معصية ، فقال : يا أمير المؤمنين الخلفاء أفضل أم الأنبياء ؟ ثم تلا هذه الآية ( باطلا ) خلقا باطلا لا لغرض
صحيح وحكمة بالغة أو مبطلين عابثين كقوله تعالى - وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا
بالحق - وتقديره ذوي باطل أو عبثا ، فوضع باطلا موضعه كما وضعوا هنيئا موضع المصدر وهو صفة : أي
ما خلقناهما وما بينهما للعبث واللعب ولكن للحق المبين ، وهو أن خلقناها نفوسا أودعناها العقل والتمييز ومنحناها
التمكين وأزحنا عللها ، ثم عرضناها للمنافع العظيمة بالتكليف وأعددنا لها عاقبة وجزاء على حسب أعمالهم ،
و ( ذلك ) إشارة إلى خلقها باطلا ، والظن بمعنى المظنون : أي خلقها للعبث لا للحكمة هو مظنون الذين كفروا .
فإن قلت : إذا كانوا مقرين بأن الله خالق السماوات والأرض وما بينهما بدليل قوله - ولئن سألتهم من خلق
السماوات والأرض ليقولن الله - فبم جعلوا ظانين أنه خلقها للعبث لا للحكمة ؟ قلت : لما كان إنكارهم للبعث
والحساب والثواب والعقاب مؤديا إلى أن خلقها عبث وباطل ، جعلوا كأنهم يظنون ذلك ويقولون لأن الجزاء
هو الذي سيقت إليه الحكمة في خلق العالم من رأسها ، فمن جحده فقد جحد الحكمة من أصلها ، ومن جحد الحكمة
في خلق العالم فقد سفه الخالق وظهر بذلك أنه لا يعرفه ولا يقدره حق قدره ، فكان إقراره بكونه خالقا كلا إقرار
( أم ) منقطعة ، ومعنى الاستفهام فيها الإنكار ، والمراد أنه لو بطل الجزاء كما يقول الكافرون لاستوت عند الله
أحوال من أصلح وأفسد واتقى وفجر ، ومن سوى بينهم كان سفيها ولم يكن حكيما . وقرئ مباركا وليتدبروا على
الأصل ولتدبروا على الخطاب ، وتدبر الآيات : التفكر فيها والتأمل الذي يؤدى إلى معرفة ما يدبر ظاهرها من
التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة ، لأن من اقتنع بظاهر المتلو لم يحل منه بكثير طائل وكان مثله كمثل من له لقحة