تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب * وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار * كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب
شرح
كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحق ، وفيه دليل على أن حاله بعد التوبة بقيت على ما كانت عليه لم تتغير ( فاحكم بين الناس بالحق ) أي بحكم الله تعالى إذ كنت خليفته ( ولا تتبع ) هوى النفس في قضائك وغيره مما تنصرف فيه من أسباب الدين والدنيا ( فيضلك ) الهوى فيكون سببا لضلالك ( عن سبيل الله ) عن دلائله التي نصبها في العقول وعن شرائعه التي شرعها وأوحى بها . و ( يوم الحساب ) متعلق بنسوا : أي بنسيانهم يوم الحساب أو بقوله لهم : أي لهم عذاب يوم القيامة بسبب نسيانهم وهو ضلالهم عن سبيل الله . وعن بعض خلفاء بنى مروان أنه قال لعمر بن عبد العزيز أو للزهري : هل سمعت ما بلغنا ؟ قال : وما هو ؟ قال : بلغنا أن الخليفة لا يجرى عليه القلم ولا تكتب عليه معصية ، فقال : يا أمير المؤمنين الخلفاء أفضل أم الأنبياء ؟ ثم تلا هذه الآية ( باطلا ) خلقا باطلا لا لغرض صحيح وحكمة بالغة أو مبطلين عابثين كقوله تعالى - وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق - وتقديره ذوي باطل أو عبثا ، فوضع باطلا موضعه كما وضعوا هنيئا موضع المصدر وهو صفة : أي ما خلقناهما وما بينهما للعبث واللعب ولكن للحق المبين ، وهو أن خلقناها نفوسا أودعناها العقل والتمييز ومنحناها التمكين وأزحنا عللها ، ثم عرضناها للمنافع العظيمة بالتكليف وأعددنا لها عاقبة وجزاء على حسب أعمالهم ، و ( ذلك ) إشارة إلى خلقها باطلا ، والظن بمعنى المظنون : أي خلقها للعبث لا للحكمة هو مظنون الذين كفروا . فإن قلت : إذا كانوا مقرين بأن الله خالق السماوات والأرض وما بينهما بدليل قوله - ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله - فبم جعلوا ظانين أنه خلقها للعبث لا للحكمة ؟ قلت : لما كان إنكارهم للبعث والحساب والثواب والعقاب مؤديا إلى أن خلقها عبث وباطل ، جعلوا كأنهم يظنون ذلك ويقولون لأن الجزاء هو الذي سيقت إليه الحكمة في خلق العالم من رأسها ، فمن جحده فقد جحد الحكمة من أصلها ، ومن جحد الحكمة في خلق العالم فقد سفه الخالق وظهر بذلك أنه لا يعرفه ولا يقدره حق قدره ، فكان إقراره بكونه خالقا كلا إقرار ( أم ) منقطعة ، ومعنى الاستفهام فيها الإنكار ، والمراد أنه لو بطل الجزاء كما يقول الكافرون لاستوت عند الله أحوال من أصلح وأفسد واتقى وفجر ، ومن سوى بينهم كان سفيها ولم يكن حكيما . وقرئ مباركا وليتدبروا على الأصل ولتدبروا على الخطاب ، وتدبر الآيات : التفكر فيها والتأمل الذي يؤدى إلى معرفة ما يدبر ظاهرها من التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة ، لأن من اقتنع بظاهر المتلو لم يحل منه بكثير طائل وكان مثله كمثل من له لقحة
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 372 | الزمخشري