تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
كذلك نجزى المحسنين . إنه من عبادنا المؤمنين . وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين . وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين .
شرح
يصح ؟ قلت : قد بذل وسعه وفعل ما يفعل الذابح من بطحه على شقه وإمرار الشفرة على حلقه ، ولكن الله سبحانه جاء بما منع الشفرة أن تمضى فيه وهذا لا يقدح في فعل إبراهيم عليه السلام ، ألا ترى أنه لا يسمى عاصيا ولا مفرطا بل يسى مطيعا ومجتهدا كما لو مضت فيه الشفرة وفرت الأوداج وأنهرت الدم ، وليس هذا من ورود النسخ على المأمور به قبل الفعل ولا قبل أو ان الفعل في شئ كما يسبق إلى بعض الأوهام حتى يشتغل بالكلام فيه . فإن قلت : الله تعالى هو المفتدى منه لأنه الآمر بالذبح فكيف يكون فاديا حتى قال وفديناه ؟ قلت : الفادي هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام والله عز وجل وهب له الكبش ليفدى به ، وإنما قال وفديناه إسنادا للفداء إلى السبب الذي هو الممكن من الفداء بهبته . فإن قلت : فإذا كان ما أتى به إبراهيم من البطح وإمرار الشفرة في حكم الذبح فما معنى الفداء ، والفداء إنما هو التخليص من الذبح ببدل ؟ قلت : قد علم بمنع الله أن حقيقة الذبح لم تحصل من فرى الأوداج وإنهار الدم ، فوهب الله الكبش ليقيم ذبحه مقام تلك الحقيقة حتى لا تحصل تلك الحقيقة في نفس إسماعيل ولكن في نفس الكبش بدلا منه . فإن قلت : فأي فائدة في تحصيل تلك الحقيقة وقد استغنى عنها بقيام ما وجد من إبراهيم مقام الذبح من غير نقصان ؟ قلت : الفائدة في ذلك أن يوجد ما منع منه في بدله حتى يكمل منه الوفاء بالمنذور وإيجاد المأمور به من كل وجه . فإن قلت : لم قيل ههنا ( كذلك نجزى المحسنين ) وفي غيرها من القصص إنا كذلك ؟ قلت : قد سبقه في هذه القصة إنا كذلك ، فكأنما استخف بطرحه اكتفاء بذكره مرة من ذكره ثانية ( نبيا ) حال مقدرة كقوله تعالى - فادخلوها خالدين - فإن قلت : فرق بين هذا وبين قوله فادخلوها خالدين ، وذلك أن المدخول موجود مع وجود الدخول ، والخلود غير موجود معهما ، فقدرت مقدرين الخلود فكان مستقيما ، وليس كذلك المبشر به فإنه معدوم وقت وجود البشارة ، وعدم المبشر به أوجب عدم حاله لا محالة لأن الحال حلية والحلية لا تقوم إلا بالمحلى ، وهذا المبشر به الذي هو إسحاق حين وجد لم توجد النبوة أيضا بوجوده بل تراخت عنه مدة متطاولة ، فكيف يجعل نبيا حالا مقدرة والحال صفة الفاعل أو المفعول عند وجود الفعل منه أو به ، فالخلود وإن لم يكن صفتهم عند دخول الجنة فتقديرها صفتهم لأن المعنى مقدرين الخلود ، وليس كذلك النبوة فإنه لا سبيل إلى أن تكون موجودة أو مقدرة وقت وجود البشارة بإسحق لعدم إسحاق ؟ قلت : هذا سؤال دقيق السلك ضيق ، والذي يحل الإشكال أنه لابد من تقدير مضاف محذوف وذلك قولك وبشرناه بوجود إسحاق نبيا : أي بأن يوجد مقدرة نبوته ، فالعامل في الحال الوجود لافعل البشارة وبذلك يرجع نظير قوله تعالى - فادخلوها خالدين - ( من الصالحين ) حال ثانية وورودها على سبيل الثناء والتقريظ ، لأن كل نبي لابد أن يكون من الصالحين . وعن قتادة بشره الله بنبوة إسحاق بعد ما امتحنه بذبحه وهذا جواب من يقول الذبيح إسحاق لصاحبه عن تعلقه بقوله - وبشرناه بإسحق - قالوا : ولا يجوز أن يبشره الله بمولده ونبوته معا لأن الامتحان بذبحه لا يصح مع علمه بأنه سيكون نبيا ( وباركنا عليه وعلى إسحاق ) وقرئ وبركنا : أي أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا كقوله - وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين - وقيل باركنا على إبراهيم في أولاده وعلى إسحاق بأن أخرجنا أنبياء بني إسرائيل من صلبه ، وقوله ( وظالم لنفسه ) نظيره - قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين - وفيه تنبيه