أو يزيدون . فآمنوا فمتعناهم إلى حين . فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون .
أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون . ألا إنهم من إفكهم ليقولون . ولد الله وإنهم
لكاذبون . أصطفى البنات على البنين . مالكم كيف تحكمون . أفلا تذكرون .
شرح
ما سبق من إرساله إلى قومه وهم أهل نينوى . قيل هو إرسال ثان بعد ما جرى عليه إلى الأولين أو إلى غيرهم .
وقيل أسلموا فسألوه أن يرجع إليهم فأبى ، لأن النبي إذا هاجر عن قومه لم يرجع إليهم مقيما فيهم وقال لهم : إن الله
باعث إليكم نبيا ( أو يزيدون ) في مرأى الناظر : أي إذا رآها الرائي قال هي مائة ألف أو أكثر ، والغرض
الوصف بالكثرة ( إلى حين ) إلى أجل مسمى . وقرئ ويزيدون بالواو وحتى حين ( فاستفتهم ) معطوف على مثله
في أول السورة وإن تباعدت بينهما المسافة . أمر رسوله باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أولا ، ثم ساق
الكلام موصولا بعضه ببعض ، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي قسموها حيث جعلوا لله الإناث
ولأنفسهم الذكور في قولهم الملائكة بنات الله مع كراهتهم الشديدة لهن ووأدهم واستنكافهم من ذكرهن . ولقد
ارتكبوا في ذلك ثلاثة أنواع من الكفر : أحدها التجسيم لأن الولادة مختصة بالأجسام ، والثاني تفضيل أنفسهم
على ربهم حين جعلوا أوضع الجنسين له وأرفعهما لهم كما قال - وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه
مسودا وهو كظيم أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين - ، والثالث أنهم استهانوا بأكرم خلق الله عليه
وأقربهم إليه حيث أنثوهم ، ولو قيل لأقلهم وأدناهم فيك أنوثة أو شكلك شكل النساء للبس لقائله جلد النمر
ولانقلبت حماليقه وذلك في أهاجيهم بين مكشوف ، فكرر الله سبحانه الأنواع كلها في كتابه مرات ودل على
فظاعتها في آيات - وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه - وقالوا اتخذ الرحمن ولدا
سبحانه بل عباد مكرمون - وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض - بديع السماوات والأرض
أنى يكون له ولد - ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله - وجعلوا له من عباده جزءا - ويجعلون لله البنات سبحانه
ولهم ما يشتهون - أم له البنات ولكم البنون - ويجعلون لله ما يكرهون أصطفى البنات على البنين - أم اتخذ مما يخلق
بنات وأصفاكم بالبنين - وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا - ( أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون ) فإن
قلت : لم قال وهم شاهدون فخص علم المشاهدة ؟ قلت : ما هو إلا استهزاء بهم وتجهيل ، وكذلك قوله - أشهدوا
خلقهم - ونحوه قوله - ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم - وذلك أنهم كما لم يعلموا ذلك بطريق
المشاهدة لم يعلموه بخلق الله علمه في قلوبهم ولا بإخبار صادق ولا بطريق استدلال ونظر . ويجوز أن يكون المعنى
أنهم يقولون ذلك كالقائل قولا عن ثلج صدر وطمأنينة نفس لإفراط جهلهم كأنهم قد شاهدوا خلقهم . وقرئ
ولد الله : أي الملائكة ولده ، والولد فعل بمعنى مفعول يقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ، تقول : هذه
ولدى وهؤلاء ولدى . فإن قلت : ( أصطفى البنات ) بفتح الهمزة استفهام على طريق الإنكار والاستبعاد فكيف
صحت قراءة أبى جعفر بكسر الهمزة على الإثبات ؟ قلت : جعله من كلام الكفرة بدلا عن قولهم ولد الله ، وقد قرأ
بها حمزة والأعمش رضي الله عنهما ، وهذه القراءة وإن كان هذا محملها فهي ضعيفة ، والذي أضعفها أن الإنكار
قد اكتنف هذه الجملة من جانبيها وذلك قوله - وإنهم لكاذبون - ( مالكم كيف تحكمون ) فمن جعلها للإثبات فقد