تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
* ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد * ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم * ما خلقكم ولأبعثكم إلا كنفس واحدة
شرح
والثقل على المعذب ( قل الحمد لله ) إلزام لهم على إقرارهم بأن الذي خلق السماوات والأرض هو الله وحده ، وأنه يجب أن يكون له الحمد والشكر وأن لا يعبد معه غيره ، ثم قال ( بل أكثرهم لا يعلمون ) أن ذلك يلزمهم وإذا نبهوا عليه لم ينتبهوا ( إن الله هو الغني ) عن حمد الحامدين المستحق للحمد وإن لم يحمدوه . قرئ والبحر بالنصب عطفا على أسم أن وبالرفع عطفا على محل أن ومعمولها على معنى : ولو ثبت كون الأشجار أقلاما وثبت كون البحر ممدودا بسبعة أبحر . أو على الابتداء والواو للحال على معنى : ولو أن الأشجار أقلام في حال كون البحر ممدودا . وفي قراءة ابن مسعود وبحر يمده على التنكير ، ويجب أن يحمل هذا على الوجه الأول . وقرئ يمده وبالتاء والياء . فإن قلت : كان مقتضى الكلام أن يقال ولو أن الشجر أقلام والبحر مداد . قلت : أغنى عن ذكر المداد قوله يمده لأنه من قولك مد الدواة وأمدها ، جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة وجعل الأبحر السبعة مملوءة مدادا فهي تصب فيه مدادها أبدا صبا لا ينقطع ، والمعنى : ولو أن أشجار الأرض أقلام والبحر ممدود بسبعة أبحر وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله لما نفدت كلماته ونفدت الأقلام والمداد كقوله تعالى - قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي - فإن قلت : زعمت أن قوله والبحر يمده حال في أحدى وجهي الرفع وليس فيه ضمير راجع إلى ذي الحال . قلت : هو كقوله * وقد أغتدى والطير في وكناتها * وجئت والجيش مصطف وما أشبه ذلك من الأحوال التي حكمها حكم الظروف ، ويجوز أن يكون المعنى وبحرها والضمير للأرض . فإن قلت : لم قيل من شجرة على التوحيد دون اسم الجنس الذي هو شجر ؟ قلت : أريد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا قد بريت أقلاما . فإن قلت : الكلمات جمع قلة والموضع موضع التكثير لا التقليل فهلا قيل كلم الله ؟ قلت : معناه أن كلماته لا تفي بكتبتها البحار فكيف بكلمة . وعن أبن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت جوابا لليهود لما قالوا قد أوتينا التوراة وفيها كل الحكمة . وقيل إن المشركين قالوا : إن هذا يعنون الوحي كلام سينفد ، فأعلم الله أن كلامه لا ينفد . وهذه الآية عند بعضهم مدنية وأنها نزلت بعد الهجرة ، وقيل هي مكية ، وإنما أمر اليهود وفد قريش أن يقولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ألست تتلو فيما أنزل عليك أنا قد أوتينا التوراة وفيها علم كل شئ ( إلا كنفس واحدة ) إلا كخلقها وبعثها : أي سواء