تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين * فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون * منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون * وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون * ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون * أم أنزلنا
شرح
لأنه بمنزلة التصوير والتشكيل لها ، أترى كيف صور الشرك بالصورة المشوهة ( الذين ظلموا ) أي أشركوا كقوله تعالى - إن الشرك لظلم عظيم - ( بغير علم ) أي اتبعوا أهواءهم جاهلين لان العالم إذا ركب هواه ربما ردعه علمه وكفه ، وأما الجاهل فيهيم على وجهه كالبهيمة لا يكفه شئ ( من أضل الله ) من خذله ولم يلطف به لعلمه أنه ممن لا لطف له فمن يقدر على هداية مثله ، وقوله ( وما لهم من ناصرين ) دليل على أن المراد بالاضلال الخذلان ( فأقم وجهك للدين ) فقوم وجهك له وعدله غير ملتفت عنه يمينا ولا شمالا ، وهو تمثيل لاقباله على الدين واستقامته عليه وثباته واهتمامه بأسبابه ، فإن من أهتم بالشئ عقد عليه طرفه وسدد إليه نظره وقوم له وجهه مقبلا به عليه ، و ( حنيفا ) حال من المأمور أو من الدين ( فطرت الله ) أي الزموا فطرة الله أو عليكم فطرة الله ، وإنما أضمرته على خطاب الجماعة لقوله منيبين إليه ، ومنيبين حال من الضمير في الزموا ، وقوله - واتقوه وأقيموا - ولا تكونوا - معطوف على هذا المضمر . والفطرة الخلقة ، ألا ترى إلى قوله - لا تبديل لخلق الله - والمعنى : أنه خلقهم قابلين للتوحيد ودين الاسلام غير نائين عنه ولا منكرين له لكونه مجاوبا للعقل مساوقا للنظر الصحيح حتى لو تركوا لما اختاروا عليه دينا آخر ، ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الإنس والجن ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه " ( لا تبديل لخلق الله ) أي ما ينبغي أن تبدل تلك الفطرة أو تغير . فإن قلت : لم وحد الخطاب أولا ثم جمع ؟ قلت : خوطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا وخطاب الرسول خطاب لامته مع ما فيه من التعظيم للامام ثم جمع بعد ذلك للبيان والتلخيص ( من الذين ) بدل من المشركين ( فارقوا دينهم ) تركوا دين الاسلام . وقرئ فرقوا دينهم بالتشديد : أي جعلوه أديانا مختلفة لاختلاف أهوائهم ( وكانوا شيعا ) فرقا كل واحدة تشايع إمامها الذي أضلها ( كل حزب ) منهم فرح بمذهبه مسرور يحسب باطله حقا ، ويجوز أن يكون من الذين منقطعا مما قبله ومعناه من المفارقين دينهم كل حزب فرحين بما لديهم ولكنه رفع فرحون على الوصف لكل كقوله * وكل خليل غيرها ضم نفسه * الشدة من هزال أو مرض أو قحط أو غير ذلك . والرحمة : الخلاص من الشدة ، واللام في ( ليكفروا ) مجاز ، مثلها - ليكون لهم عدوا - ( فتمتعوا ) نظير - اعملوا ما شئتم - ( فسوف تعلمون ) وبال تمتعكم ، وقرأ ابن مسعود وليتمتعوا . السلطان : الحجة وتكلمه مجاز كما تقول : كتابه ناطق بكذا ، وهذا
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 222 | الزمخشري