تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
وله المثل الاعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم * ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون * بل اتبع
شرح
الفاعل بين أن يفعله وأن لا يفعله ، والإعادة من قبيل الواجب الذي لابد له من فعله لأنها الجزاء الأعمال وجزاؤها واجب ، والافعال إما محال والمحال ممتنع أصلا خارج عن المقدور ، وإما ما يصرف الحكيم عن فعله صارف وهو القبيح ، وهو رديف المحال لان الصارف يمنع وجود الفعل كما تمنعه الإحالة ، وإما تفضل والتفضل حالة بين بين للفاعل أن يفعله وأن لا يفعله ، وإما واجب لابد من فعله ولا سبيل إلى الاخلال به ، فكان الواجب أبعد الافعال من الامتناع وأقربها من الحصول ، فلما كانت الإعادة من قبيل الواجب كانت أبعد الافعال من الامتناع ، وإذا كانت أبعدها من الامتناع كانت أدخلها في التأتي والتسهل فكانت أهون منها ، وإذا كانت أهون منها كانت أهون من الانشاء ( وله المثل الاعلى ) أي الوصف الاعلى الذي ليس لغيره مثله قد عرف به . ووصف في السماوات والأرض على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل ، وهو أنه القادر الذي لا يعجز عن شئ من إنشاء وإعادة وغيرهما من المقدورات ويدل عليه قوله تعالى ( وهو العزيز الحكيم ) أي القاهر لكل مقدور ، الحكيم الذي يجري كل فعل على قضايا حكمته وعلمه . عن مجاهد : المثل الاعلى قول لا إله إلا الله ، ومعناه وله الوصف الاعلى الذي هو الوصف بالوحدانية ويعضده قوله تعالى - ضرب لكم مثلا من أنفسكم - وقال الزجاج : وله المثل الاعلى في السماوات والأرض : أي قوله تعالى - وهو أهون عليه - قد ضربه لكم مثلا فيما يصعب ويسهل ، يريد التفسير الأول . فإن قلت : أي فرق بين من الأولى والثانية والثالثة في قوله تعالى - من أنفسكم ، مما ملكت أيمانكم من شركاء - قلت : الأولى للابتداء كأنه قال أخذ مثلا وانتزعه من أقرب شئ منكم وهي أنفسكم ولم يبعد . والثانية للتبعيض والثالثة مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي ومعناه : هل ترضون لأنفسكم وعبيدكم أمثالكم بشر كبشر وعبيد كعبيد أن يشارككم بعضهم ( فيما رزقناكم ) من الأموال وغيرها تكونون أنتم وهم فيه على السواء من غير تفضلة بين حر وعبد . تهابون أن تستبدوا بتصرف دونهم وأن تفتاتوا بتدبير عليهم كما يهاب بعضكم بعضا من الأحرار ، فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم فكيف ترضون لرب الأرباب ومالك الأحرار والعبيد أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء ( كذلك ) أي مثل هذا التفصيل ( نفصل الآيات ) أي نبينها لان التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها