من الله يومئذ يصدعون من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون
* ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب
الكافرين ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم
من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم
تشكرون * ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم
بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر
المؤمنين
شرح
( من الله ) إما أن يتعلق بيأتي فيكون المعنى : من قبل أن يأتي من الله يوم لا يرده حد كقوله تعالى - فلا يستطيعون
ردها - أو بمرد على معنى لا يرده هو بعد أن يجئ به ولا رد له من جهته . والمرد مصدر بمعنى الرد ( يصدعون )
يتصدعون : اي يتفرقون كقوله تعالى - ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون - ( فعليه كفره ) كلمة جامعة لما لا غاية
وراءه من المضار لان من كان ضاره كفره فقد أحاطت به كل مضرة ( فلأنفسهم يمهدون ) أي يسوون لأنفسهم
ما يسويه لنفسه الذي يمهد فراشه ويوطئه لئلا يصيبه في مضجعه ما ينيبه عليه ، وينغص عليه مرقده من نتوء أو قضض
أو بعض ما يؤذى الراقد . ويجوز أن يريد فعلى أنفسهم يشفقون من قولهم في المشفق : أم فرشت فأنامت ، وتقديم
الظرف في الموضعين للدلالة على أن ضرر الكفر لا يعود إلا على الكافر لا يتعداه ، ومنفعة الايمان والعمل الصالح
ترجع إلى المؤمن لا تتجاوزه ( ليجزى ) متعلق بيمهدون تعليل له ( من فضله ) مما يتفضل عليهم بعد توفية الواجب
من الثواب ، وهذا يشبه الكناية لان الفضل تبع للثواب فلا يكون إلا بعد حصول ما هو تبع له ، أو أراد من
عطائه وهو ثوابه لان الفضول والفواضل هي الأعطية عند العرب ، وتكرير ( الذين آمنوا وعملوا الصالحات )
وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن الصالح ، وقوله ( إنه لا يحب الكافرين ) تقرير بعد
تقرير على الطرد والعكس ( الرياح ) هي الجنوب والشمال والصبا وهي رياح الرحمة . وأما الدبور فريح العذاب ،
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " اللهم أجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا " وقد عدد الأغراض في إرسالها ، وأنه أرسلها
للبشارة بالغيث ولاذاقة الرحمة ، وهي نزول المطر وحصول الخصب الذي يتبعه . والروح الذي مع هبوب الريح
وزكاء الأرض . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا كثرت المؤتفكات زكت الأرض " وإزالة العفونة من
الهواء وتذرية الحبوب ، وغير ذلك ( ولتجرى الفلك ) في البحر عند هبوبها ، وإنما زاد ( بأمره ) لان الريح قد
تهب ولا تكون مؤاتية فلابد من إرساء السفن والاحتيال لحبسها ، وربما عصفت فأغرقتها ( ولتبتغوا من فضلة )
يريد تجارة البحر . ولتشكروا نعمة الله فيها . فإن قلت : بم يتعلق وليذيقكم ؟ قلت : فيه وجهان : أن يكون
معطوفا على مبشرات على المعنى كأنه قيل ليبشركم وليذيقكم ، وأن يتعلق بمحذوف تقديره وليذيقكم وليكون كذا
وكذا أرسلناها . اختصر الطريق إلى الغرض بأن أدرج تحت ذكر الانتصار والنصر ذكر الفريقين وقد أخلى الكلام
أولا عن ذكرهما ، وقوله ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) تعظيم للمؤمنين ورفع من شأنهم وتأهيل لكرامة سنية
وإظهار لفضل سابقة ومزية حيث جعلهم مستحقين على الله أن ينصرهم مستوجبين عليه أن يظهرهم ويظفرهم ، وقد
يوقف على حقا ، ومعناه : وكان الانتقام منهم حقا ثم يبتدأ علينا نصر المؤمنين . وعن النبي صلى الله عليه وسلم