من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم . ومن جاهد فإنما يجاهد
لنفسه إن الله لغنى عن العالمين . والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم
سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون . ووصينا الإنسان بوالديه حسنا
شرح
بالذم . لقاء الله مثل للوصول إلى العاقبة من تلقى ملك الموت والبعث والحساب والجزاء ، مثلت تلك الحال بحال عبد
قدم على سيده بعد عهد طويل وقد اطلع مولاه على ما كان يأتي ويذر ، فإما أن يلقاه ببشر وترحيب لما رضى من
أفعاله ، أو بضد ذلك لما سخطه منها ، فمعنى قوله ( من كان يرجوا لقاء الله ) من كان يأمل تلك الحال وأن يلقى فيها
الكرامة من الله واليسر ( فإن أجل الله ) وهو الموت ( لآت ) لا محالة فليبادر العمل الصالح الذي يصلح رجاءه
ويحقق أمله ويكتسب به القربة عند الله والزلفى ( وهو السميع العليم ) الذي لا يخفى عليه شئ مما يقوله عباده ومما
يفعلونه فهو حقيق بالتقوى والخشية ، وقيل يرجو يخاف من قوله الهذلي في صفة عسال :
* إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها * فإن قلت : فإن أجل الله لآت كيف وقع جوابا للشرط ؟ قلت : إذا علم أن
لقاء الله عنيت به تلك الحال الممثلة والوقت الذي تقع فيه تلك الحال هو الأجل المضروب للموت فكأنه قال - من
كان يرجو لقاء الله - فإن لقاء الله لآت لأن الأجل واقع فيه اللقاء كما تقول : من كان يرجو لقاء الملك فإن يوم
الجمعة قريب إذا علم أنه يقعد للناس يوم الجمعة ( ومن جاهد ) نفسه في منعها ما تأمر به وحملها على ما تأباه ( فإنما
يجاهد ) لها لأن منفعة ذلك راجعة إليها ، وإنما أمر الله عز وجل ونهى رحمة لعباده وهو الغنى عنهم وعن طاعتهم .
إما أن يريد قوما مسلمين صالحين قد أساءوا في بعض أعمالهم وسيئاتهم مغمورة بحسناتهم فهو يكفرها عنهم : أي
يسقط عقابها بثواب الحسنات ويجزيهم أحسن الذي كانوا يعملون : أي أحسن جزاء أعمالهم ، وإما قوما مشركين
آمنوا وعملوا الصالحات فالله عز وجل يكفر سيئاتهم بأن يسقط عقاب ما تقدم لهم من الكفر والمعاصي ويجزيهم
أحسن جزاء أعمالهم في الإسلام . وصى حكمه حكم أمر في معناه وتصرفه ، ويقال وصيت زيدا بأن يفعل خيرا كما
تقول أمرته بأن يفعل ، ومنه بيت الإصلاح :
وذبيانية وصت بنيها * بأن كذب القراطف والقروف
كما لو قال أمرتهم بأن ينتهبوها ، ومنه قوله تعالى - ووصى - بها إبراهيم بنيه - أي وصاهم بكلمة التوحيد وأمرهم
بها ، وقولك وصيت زيدا بعمرو ومعناه وصيته بتعهد عمرو ومراعاته ونحو ذلك ، وكذلك معنى قوله ( ووصينا
الإنسان بوالديه حسنا ) وصيناه بإيتاء والديه حسنا أو بإيلاء حسنا : أي فعلا ذا حسن أو ما هو في ذاته حسن