وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين . أولئك
يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون .
وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي
الجاهلين . إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين .
وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه
شرح
ذكره وأبناءهم من بعدهم ( من قبله ) من قبل وجوده ونزوله ( مسلمين ) كائنين على دين الإسلام ، لأن الإسلام
صفة كل موحد مصدق للوحي ( بما صبروا ) بصبرهم على الإيمان بالتوراة والإيمان بالقرآن أو بصبرهم على الإيمان
بالقرآن قبل نزوله وبعد نزوله ، أو بصبرهم على أذى المشركين وأهل الكتاب ونحو - يؤتكم كفلين من رحمته -
( بالحسنة السيئة ) بالطاعة المعصية المتقدمة أو بالحلم الأذى ( سلام عليكم ) توديع ومتاركة . وعن الحسن رضي الله عنه
: كلمة حلم من المؤمنين ( لا نبتغي الجاهلين ) لا نريد مخالطتهم وصحبتهم . فإن قلت : من خاطبوا بقولهم - ولكم
أعمالكم - قلت : اللاغين الذين دل عليهم قوله - وإذا سمعوا اللغو - ( لا تهدى من أحببت ) لا تقدر أن تدخل في
الإسلام كل من أحببت أن يدخل فيه من قومك وغيرهم لأنك عبد لا تعلم المطبوع على قلبه من غيره ( ولكن الله )
يدخل في الإسلام ( من يشاء ) وهو الذي علم أنه غير مطبوع على قلبه وأن الألطاف تنفع فيه فيقرن به ألطافه حتى
تدعوه إلى القبول ( وهو أعلم بالمهتدين ) بالقابلين من الذين لا يقبلون . قال الزجاج : أجمع المسلمون أنها نزلت
في أبى طالب ، وذلك أن أبا طالب قال عند موته : يا معشر بني هاشم أطيعوا محمدا وصدقوه تفلحوا وترشدوا ،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا عم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك ؟ قال : فما تريد يا ابن أخي ؟
قال : أريد منك كلمة واحدة فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا أن تقول : لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله ،
قال : يا ابن أخي قد علمت إنك لصادق ، ولكني أكره أن يقال خرع عند الموت ، ولولا أن تكون عليك وعلى
بنى أبيك غضاضة ومسبة بعدي لقلتها ولأقررت بها عينك عند الفراق لما أرى من شدة وجدك ونصيحتك ،
ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب وهاشم وعبد مناف ، قالت قريش - وقيل إن القائل الحرث بن
عثمان بن نوفل بن عبد مناف - نحن نعلم أنك على الحق ولكنا نخاف إن أتبعناك وخالفنا العرب بذلك ، وإنما نحن
أكلة رأس : أي قليلون أن يتخطفونا من أرضنا ، فألقمهم الله الحجر بأنه مكن لهم في الحرم الذي آمنه بحرمة
البيت وآمن قطانه بحرمته ، وكانت العرب في الجاهلية حولهم يتغاورون ويتناحرون وهم آمنون في حرمهم لا يخافون
وبحرمة البيت هم قارون بواد غير ذي زرع ، والثمرات والأرزاق تجبى إليهم من كل أوب ، فإذا خولهم الله ما خولهم
من الأمن والرزق بحرمة البيت وحدها وهم كفرة عبدة أصنام ، فكيف يستقيم أن يعرضهم للتخوف والتخطف
ويسلبهم الأمن إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة الإسلام ؟ وإسناد الأمن إلى أهل الحرم حقيقة وإلى الحرم مجاز
( تجبى إليه ) تجلب وتجمع ، قرئ بالياء والتاء ، وقرئ تجنى بالنون من الجنى وتعديته بإلى كقوله يجنى إلى فيه
ويجنى إلى الخافة . وثمرات بضمتين وبضمة وسكون . ومعنى الكلية الكثرة كقوله - وأوتيت من كل شئ -