وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل
شئ إنه خبير بما يفعلون . من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ
آمنون . ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار .
شرح
وانقيادهم لهم ( جامدة ) من جمد في مكانه إذا لم يبرح . تجمع الجبال فتسير كما تسير الريح السحاب ، فإذا نظر إليها
الناظر حسبها واقفة ثابتة في مكان واحد ( وهى تمر ) مرا حثيثا كما يمر السحاب وهكذا الأجرام العظام المتكاثرة
العدد إذا تحركت لا تكاد تتبين حركتها كما قال النابغة في صفة جيش :
بأرعن مثل الطود تحسب أنهم * وقوف لحاج والركاب تهملج
( صنع الله ) من المصادر المؤكدة كقوله - وعد الله - و - صبغة الله - إلا أن مؤكده محذوف وهو الناصب ليوم
ينفخ ، والمعنى : ويوم ينفخ في الصور وكان كيت وكيت أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين ، ثم قال : صنع الله
يريد به الإنابة والمعاقبة ، وجعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والصواب حيث قال
( صنع الله الذي أتقن كل شئ ) يعنى أن مقابلته الحسنة بالثواب والسيئة بالعقاب من جملة إحكامه للأشياء وإتقانه
لها وإجرائه لها على قضايا الحكمة أنه عالم بما يفعل العباد وبما يستوجبون عليه فيكافئهم على حسب ذلك ، ثم لخص
ذلك بقوله ( من جاء بالحسنة ) إلى آخر الآيتين فانظر إلى بلاغة هذا الكلام وحسن نظمه وترتيبه ومكانة إضماده
ورصانة تفسيره وأخذ بعضه بحجزة بعض كأنما أفرغ إفراغا واحدا ، ولأمر ما أعجز القوى وأخرس الشقاشق ،
ونحو هذا المصدر إذا جاء عقيب كلام جاء كالشاهد بصحته والمنادى على سداده وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا
كما قد كان ، ألا ترى إلى قوله - صنع الله - و - صبغة الله - و - وعد الله - و - فطرة الله - بعد ما وسمها بإضافتها إليه
بسمة التعظيم كيف تلاها بقوله - الذي أتقن كل شئ - ومن أحسن من الله صبغة - لا يخلف الله الميعاد - لا تبديل
لخلق الله - . وقرئ تفعلون على الخطاب ( فله خير منها ) يريد الإضعاف وأن العمل يقتض والثواب يدوم ،
وشتان ما بين فعل العبد وفعل السيد . وقيل - فله خير منها - أي له خير حاصل من جهتها وهو الجنة . وعن ابن
عباس : الحسنة كلمة الشهادة . وقرئ يومئذ مفتوحا مع الإضافة لأنه أضيف إلى غير متمكن ومنصوبا مع تنوين
فزع . فإن قلت : ما الفرق بين الفزعتين ؟ قلت : الفزع الأول هو ما لا يخلو منه أحد عند الإحساس بشدة تقع
وهول يفجأ من رعب وهيبة وإن كان المحسن يأمن لحاق الضرر به ، كما يدخل الرجل على الملك بصدر هياب
وقلب وجاب وإن كانت ساعة إعزاز وتكرمة وإحسان وتولية . وأما الثاني فالخوف من العذاب . فإن قلت : فمن
قرأ من فزع بالتنوين ما معناه ؟ قلت : يحتمل معنيين من فزع واحد وهو خوف العقاب ، وأما ما يلحق الإنسان من
التهيب والرعب لما يرى من الأهوال والعظائم فلا يخلون منه لأنه البشرية تقتضى ذلك ، وفى الأخبار والآثار ما يدل
عليه ، ومن فزع شديد مفرط الشدة لا يكتنهه الوصف وهو خوف النار . أمن يعدى بالجار وبنفسه كقوله تعالى
- أفأمنوا مكر الله - وقيل السيئة : الإشراك . يعبر عن الجملة بالوجه والرأس والرقبة فكأنه قيل : فكبوا في النار
كقوله تعالى - فكبكبوا فيها - ويجوز أن يكون ذكر الوجوه إيذانا بأنهم يكبون على وجوههم فيها منكوسين