تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شئ إنه خبير بما يفعلون . من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون . ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار .
شرح
وانقيادهم لهم ( جامدة ) من جمد في مكانه إذا لم يبرح . تجمع الجبال فتسير كما تسير الريح السحاب ، فإذا نظر إليها الناظر حسبها واقفة ثابتة في مكان واحد ( وهى تمر ) مرا حثيثا كما يمر السحاب وهكذا الأجرام العظام المتكاثرة العدد إذا تحركت لا تكاد تتبين حركتها كما قال النابغة في صفة جيش : بأرعن مثل الطود تحسب أنهم * وقوف لحاج والركاب تهملج ( صنع الله ) من المصادر المؤكدة كقوله - وعد الله - و - صبغة الله - إلا أن مؤكده محذوف وهو الناصب ليوم ينفخ ، والمعنى : ويوم ينفخ في الصور وكان كيت وكيت أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين ، ثم قال : صنع الله يريد به الإنابة والمعاقبة ، وجعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والصواب حيث قال ( صنع الله الذي أتقن كل شئ ) يعنى أن مقابلته الحسنة بالثواب والسيئة بالعقاب من جملة إحكامه للأشياء وإتقانه لها وإجرائه لها على قضايا الحكمة أنه عالم بما يفعل العباد وبما يستوجبون عليه فيكافئهم على حسب ذلك ، ثم لخص ذلك بقوله ( من جاء بالحسنة ) إلى آخر الآيتين فانظر إلى بلاغة هذا الكلام وحسن نظمه وترتيبه ومكانة إضماده ورصانة تفسيره وأخذ بعضه بحجزة بعض كأنما أفرغ إفراغا واحدا ، ولأمر ما أعجز القوى وأخرس الشقاشق ، ونحو هذا المصدر إذا جاء عقيب كلام جاء كالشاهد بصحته والمنادى على سداده وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا كما قد كان ، ألا ترى إلى قوله - صنع الله - و - صبغة الله - و - وعد الله - و - فطرة الله - بعد ما وسمها بإضافتها إليه بسمة التعظيم كيف تلاها بقوله - الذي أتقن كل شئ - ومن أحسن من الله صبغة - لا يخلف الله الميعاد - لا تبديل لخلق الله - . وقرئ تفعلون على الخطاب ( فله خير منها ) يريد الإضعاف وأن العمل يقتض والثواب يدوم ، وشتان ما بين فعل العبد وفعل السيد . وقيل - فله خير منها - أي له خير حاصل من جهتها وهو الجنة . وعن ابن عباس : الحسنة كلمة الشهادة . وقرئ يومئذ مفتوحا مع الإضافة لأنه أضيف إلى غير متمكن ومنصوبا مع تنوين فزع . فإن قلت : ما الفرق بين الفزعتين ؟ قلت : الفزع الأول هو ما لا يخلو منه أحد عند الإحساس بشدة تقع وهول يفجأ من رعب وهيبة وإن كان المحسن يأمن لحاق الضرر به ، كما يدخل الرجل على الملك بصدر هياب وقلب وجاب وإن كانت ساعة إعزاز وتكرمة وإحسان وتولية . وأما الثاني فالخوف من العذاب . فإن قلت : فمن قرأ من فزع بالتنوين ما معناه ؟ قلت : يحتمل معنيين من فزع واحد وهو خوف العقاب ، وأما ما يلحق الإنسان من التهيب والرعب لما يرى من الأهوال والعظائم فلا يخلون منه لأنه البشرية تقتضى ذلك ، وفى الأخبار والآثار ما يدل عليه ، ومن فزع شديد مفرط الشدة لا يكتنهه الوصف وهو خوف النار . أمن يعدى بالجار وبنفسه كقوله تعالى - أفأمنوا مكر الله - وقيل السيئة : الإشراك . يعبر عن الجملة بالوجه والرأس والرقبة فكأنه قيل : فكبوا في النار كقوله تعالى - فكبكبوا فيها - ويجوز أن يكون ذكر الوجوه إيذانا بأنهم يكبون على وجوههم فيها منكوسين
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 162 | الزمخشري