وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين . إن ربك يقضى بينهم بحكمه وهو العزيز العليم .
فتوكل على الله إنك على الحق المبين . إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم
الدعاء إذا ولوا مدبرين . وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن
بآياتنا فهم مسلمون .
شرح
النطيحة والرمية والذبيحة في أنها أسماء غير صفات ، ويجوز أن يكونا صفتين وتاؤهما للمبالغة كالرواية في قولهم ويل
للشاعر من راوية السوء ، كأنه قال : وما من شئ شديد الغيبوبة والخفاء إلا وقد علمه الله وأحاط به وأثبته في
اللوح المبين الظاهر البين لمن ينظر فيها من الملائكة . قد اختلفوا في المسيح فتحزبوا فيه أحزابا ووقع بينهم التناكر
في أشياء كثيرة حتى لعن بعضهم بعضا ، وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه لو أنصفوا وأخذوا به وأسلموا ، يريد
اليهود والنصارى ( للمؤمنين ) لمن أنصف منهم وآمن : أي من بني إسرائيل أو منهم ومن غيرهم ( بينهم ) بين من
آمن بالقرآن ومن كفر به . فإن قلت : ما معنى يقضى بحكمه ولا يقال زيد يضرب بضربه ويمنع بمنعه ؟ قلت : معناه
بما يحكم به وهو عدله لأنه لا يقضى إلا بالعدل فسمى المحكوم به حكما ، أو أراد بحكمته وتدل عليه قراءة من قرأ
بحكمه جمع حكمة ( وهو العزيز ) فلا يرد قضاؤه ( العليم ) بمن يقضى له وبمن يقضى عليه ، أو العزيز في انتقامه من
المبطلين العليم بالفصل بينهم وبين المحقين . أمره بالتوكل على الله وقلة المبالاة بأعداء الدين ، وعلل التوكل بأنه على الحق
الأبلج الذي لا يتعلق به الشك والظن ، وفيه بيان أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بصنع الله وبنصرته وأن مثله لا يخذل .
فإن قلت : ( إنك لا تسمع الموتى ) يشبه أن يكون تعليلا آخر للتوكل فما وجه ذلك ؟ قلن : وجهه أن الأمر بالتوكل جعل
مسببا عما كان يغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة المشركين وأهل الكتاب من ترك اتباعه وتشييع ذلك
بالأذى والعداوة ، فلاءم ذلك أن يعلل توكل متوكل مثله بأن اتباعهم أمر قد يئس منه فلم يبق إلا الاستنصار عليهم
لعداوتهم واستكفاء شرورهم وأذاهم ، وشبهوا بالموتى وهم أحياء صحاح الحواس لأنهم إذا سمعوا ما يتلى عليهم من
آيات الله فكانوا أقماع القول لا تعيه آذانهم وكان سماعهم كلا سماع ، كانت حالهم لانتفاء جدوى السماع ، كحال الموتى
الذين فقدوا مصحح السماع وكذلك تشبيههم بالصم الذين ينعق بهم فلا يسمعون ، وشبهوا بالعمى حيث يضلون
الطريق ولا يقدر أحد أن ينزع ذلك عنهم وأن يجعلهم هداة بصراء إلا الله عز وجل . فإن قلت : ما معنى قوله ( إذا ولوا
مدبرين ) ؟ قلت : هو تأكيد لحال الأصم ، لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن يولى عنه مدبرا كان أبعد عن إدراك
صوته . وقرئ ولا يسمع الصم وما أنت بهاد العمى على الأصل وتهدى العمى . وعن ابن مسعود ، وما أن تهدى
العمى وهداه عن الضلال كقولك سقاه عن العيمة : أي أبعده عنها بالسقي وأبعده عن الضلال بالهدى ( إن تسمع )
أي ما يجدى إسماعك إلا على الذين علم الله أنهم يؤمنون بآياته يصدقون بها ( فهم مسلمون ) أي مخلصون من
قوله - بلى من أسلم وجهه لله - يعنى جعله - سالما لله خالصا له . سمى معنى القول ومؤداه بالقول وهو ما وعدوا من
قيام الساعة والعذاب ، ووقوعه حصوله ، والمراد مشارفة الساعة وظهور أشراطها وحين لا تنفع التوبة . ودابة
الأرض الجساسة جاء في الحديث " أن طولها ستون ذراعا لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب " وورى " لها أربع