تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين . إن ربك يقضى بينهم بحكمه وهو العزيز العليم . فتوكل على الله إنك على الحق المبين . إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين . وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون .
شرح
النطيحة والرمية والذبيحة في أنها أسماء غير صفات ، ويجوز أن يكونا صفتين وتاؤهما للمبالغة كالرواية في قولهم ويل للشاعر من راوية السوء ، كأنه قال : وما من شئ شديد الغيبوبة والخفاء إلا وقد علمه الله وأحاط به وأثبته في اللوح المبين الظاهر البين لمن ينظر فيها من الملائكة . قد اختلفوا في المسيح فتحزبوا فيه أحزابا ووقع بينهم التناكر في أشياء كثيرة حتى لعن بعضهم بعضا ، وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه لو أنصفوا وأخذوا به وأسلموا ، يريد اليهود والنصارى ( للمؤمنين ) لمن أنصف منهم وآمن : أي من بني إسرائيل أو منهم ومن غيرهم ( بينهم ) بين من آمن بالقرآن ومن كفر به . فإن قلت : ما معنى يقضى بحكمه ولا يقال زيد يضرب بضربه ويمنع بمنعه ؟ قلت : معناه بما يحكم به وهو عدله لأنه لا يقضى إلا بالعدل فسمى المحكوم به حكما ، أو أراد بحكمته وتدل عليه قراءة من قرأ بحكمه جمع حكمة ( وهو العزيز ) فلا يرد قضاؤه ( العليم ) بمن يقضى له وبمن يقضى عليه ، أو العزيز في انتقامه من المبطلين العليم بالفصل بينهم وبين المحقين . أمره بالتوكل على الله وقلة المبالاة بأعداء الدين ، وعلل التوكل بأنه على الحق الأبلج الذي لا يتعلق به الشك والظن ، وفيه بيان أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بصنع الله وبنصرته وأن مثله لا يخذل . فإن قلت : ( إنك لا تسمع الموتى ) يشبه أن يكون تعليلا آخر للتوكل فما وجه ذلك ؟ قلن : وجهه أن الأمر بالتوكل جعل مسببا عما كان يغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة المشركين وأهل الكتاب من ترك اتباعه وتشييع ذلك بالأذى والعداوة ، فلاءم ذلك أن يعلل توكل متوكل مثله بأن اتباعهم أمر قد يئس منه فلم يبق إلا الاستنصار عليهم لعداوتهم واستكفاء شرورهم وأذاهم ، وشبهوا بالموتى وهم أحياء صحاح الحواس لأنهم إذا سمعوا ما يتلى عليهم من آيات الله فكانوا أقماع القول لا تعيه آذانهم وكان سماعهم كلا سماع ، كانت حالهم لانتفاء جدوى السماع ، كحال الموتى الذين فقدوا مصحح السماع وكذلك تشبيههم بالصم الذين ينعق بهم فلا يسمعون ، وشبهوا بالعمى حيث يضلون الطريق ولا يقدر أحد أن ينزع ذلك عنهم وأن يجعلهم هداة بصراء إلا الله عز وجل . فإن قلت : ما معنى قوله ( إذا ولوا مدبرين ) ؟ قلت : هو تأكيد لحال الأصم ، لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن يولى عنه مدبرا كان أبعد عن إدراك صوته . وقرئ ولا يسمع الصم وما أنت بهاد العمى على الأصل وتهدى العمى . وعن ابن مسعود ، وما أن تهدى العمى وهداه عن الضلال كقولك سقاه عن العيمة : أي أبعده عنها بالسقي وأبعده عن الضلال بالهدى ( إن تسمع ) أي ما يجدى إسماعك إلا على الذين علم الله أنهم يؤمنون بآياته يصدقون بها ( فهم مسلمون ) أي مخلصون من قوله - بلى من أسلم وجهه لله - يعنى جعله - سالما لله خالصا له . سمى معنى القول ومؤداه بالقول وهو ما وعدوا من قيام الساعة والعذاب ، ووقوعه حصوله ، والمراد مشارفة الساعة وظهور أشراطها وحين لا تنفع التوبة . ودابة الأرض الجساسة جاء في الحديث " أن طولها ستون ذراعا لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب " وورى " لها أربع