يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم إنه كان من المفسدين .
ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين .
ونمكن لهم في الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون .
وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي
ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين .
شرح
وبلدة يرهب الجواب دلجتها * حتى تراه عليها يبتغى الشيعا
أو يشيع بعضهم بعضا في طاعته أو أصنافا في استخدامه ، يتسخر صنفا في بناء وصنفا في حرث وصنفا في
حفر ، ومن لم يستعمله ضرب عليه الجزية أو فرقا مختلفة ، قد أغرى بينهم العداوة وهم بنو إسرائيل والقبط .
والطائفة المستضعفة بنو إسرائيل . وسبب ذبح الأبناء أن كاهنا قال له : يولد مولود في بني إسرائيل يذهب ملكك
على يده . وفيه دليل بين على ثخانة حمق فرعون ، فإنه إن صدق الكاهن لم يدفع القتل الكائن وإن كذب فما وجه
القتل ، و ( يستضعف ) حال من الضمير في وجعل أو صفة لشيعا أو كلام مستأنف ، و ( يذبح ) بدل من
يستضعف ، وقوله ( إنه كان من المفسدين ) بيان أن القتل ما كان إلا فعل المفسدين فحسب لأنه فعل لا طائل تحته
صدق الكاهن أو كذب . فإن قلت : علام عطف قوله ( ونريد أن نمن ) وعطفه على نتلو ويستضعف غير سديد ؟
قلت : هي جملة معطوفة على قوله - إن فرعون علا في الأرض - لأنها نظيرة تلك في وقوعها تفسيرا لنبأ موسى
وفرعون واقتصاصا له ونريد حكاية حال ماضيه ، ويجوز أن يكون حالا من يستضعف : أي يستضعفهم فرعون
ونحن نريد أن نمن عليهم . فإن قلت : كيف يجتمع استضعافهم وإرادة الله المنة عليهم وإذا أراد الله شيئا كان ولم
يتوقف إلى وقت آخر ؟ قلت : لما كانت منة الله بخلاصهم من فرعون قرينة الوقوع جعلت إرادة وقوعها كأنها
مقارنة لاستضعافهم ( أئمة ) مقدمين في الدين والدنيا يطأ الناس أعقابهم . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : قادة
يقتدى بهم في الخير . وعن مجاهد رضي الله عنه : دعاة إلى الخير . وعن قتادة رضي الله عنه : ولاة كقوله تعالى
- وجعلكم ملوكا - ( الوارثين ) يرثون فرعون وقومه ملكهم وكل ما كان لهم . مكن له إذا جعل له مكانا يقعد عليه
أو يرقد فوطأه ومهده ونظيره أرض له ، ومعنى التمكين لهم في الأرض وهى أرض مصر والشأم أن يجعلها بحيث
لا تنبو بهم ولا تغث عليهم كما كانت في أيام الجبابرة وينفذ أمرهم ويطلق أيديهم ويسلطهم . وقرئ ويرى فرعون
وهامان وجنودهما : أي يرون ( منهم ما ) حذروه من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم . اليم : البحر
قيل هو نيل مصر . فإن قلت : ما المراد بالخوفين حتى أوجب أحدهما ونهى عن الآخر ؟ قلت : أما الأول فالخوف
عليه من القتل لأنه كان إذا صاح خافت أن يسمع الجيران صوته فينموا عليه ، وأما الثاني فالخوف عليه من الغرق
ومن الضياع ومن الوقوع في يد بعض العيون المبئوثة من قبل فرعون في تطلب الولدان وغير ذلك من المخاوف
فإن قلت : ما الفرق بين الخوف والحزن ؟ قلت : الخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع ، والحزن غم يلحق لواقع
وهو فراقه والإخطار به فنهيت عنهما جميعا وأومنت بالوحي ووعدت ما يسليها ويطأ من قلبها ويملؤها غبطة