أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به الحدائق ذات بهجة
ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون . أمن جعل الأرض قرارا
وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله
بل أكثرهم لا يعلمون . أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم
خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون .
شرح
قلت : أي نكتة في نقل الإخبار عن الغيبة إلى التكلم عن ذاته في قوله : فأنبتنا ؟ قلت : تأكيد معنى اختصاص
الفعل بذاته والإيذان بأن إنبات الحدائق المختلفة الأصناف والألوان والطعوم والروائح والأشكال مع حسنها
وبهجتها بماء واحد لا يقدر عليه إلا هو وحده ، ألا ترى كيف رشح معن الاختصاص بقوله ( ما كان لكم أن
تنبتوا شجرها ) ومعنى الكينونة الانبغاء ، أراد أن تأتى ذلك محال من غيره ، وكذلك قوله - بل هم - بعد الخطاب أبلغ
في تخطئة رأيهم . والحديقة : البستان عليه حائط ، من الإحداق وهو الإحاطة . وقيل ذات لأن المعنى جماعة
حدائق ذات بهجة كما قال النساء ذهبت والبهجة الحسن لأن الناظر يبتهج به ( أإله مع الله ) أغيره يقرن به ويجعل
شريكا له . وقرئ أإلها مع الله بمعنى أتدعون أو أتشركون ، ولك أن تحقق الهمزتين وتوسط بينهما مدة وتخرج
الثانية بين بين ( يعدلون ) به غيره أو يعدلون عن الحق الذي هو التوحيد ( أمن جعل ) وما بعده بدل من - أمن خلق -
فكان حكمهما حكمه ( قرارا ) دحاها وسواها للاستقرار عليها ( حاجزا ) كقوله برزخا . الضرورة : الحالة
المحوجة إلى اللجأ والاضطرار افتعال منها ، يقال اضطره إلى كذا والفاعل والمفعول مضطر ، والمضطر : الذي
أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر إلى اللجأ والتضرع إلى الله . وعن ابن عباس رضي الله عنهما :
هو المجهود . وعن السدى : الذي لا حول ولا قوة ، وقيل المذنب إذا استغفر . فإن قلت : قد عم المضطرين بقوله
- يجيب المضطر إذا دعاه - وكم من مضطر يدعوه فلا يجاب ؟ قلت : الإجابة موقوفة على أن يكون المدعو به
مصلحة ولهذا لا يحسن دعاء العبد إلا شارطا فيه المصلحة ، وأما المضطر فمتناول للجنس مطلقا يصلح لكله ولبعضه
فلا طريق إلى الجزم على أحدهما إلا بدليل ، وقد قام الدليل على البعض وهو الذي إجابته مصلحة فبطل التناول
على العموم ( خلفاء الأرض ) خلفاء فيها ، وذلك توارثهم سكناها والتصرف فيها قرنا بعد قرن ، أو أراد بالخلافة
الملك والتسلط . وقرئ يذكرون بالياء مع الإدغام وبالتاء مع الإدغام والحذف وما مزيدة : أي يذكرون تذكرا