تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
وسبحان الله رب العالمين . يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم . وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدى المرسلون . إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم . وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين .
شرح
فإن قلت : فما معنى ابتداء خطاب الله موسى بذلك عند مجيئه ؟ قلت : هي بشارة له بأنه قد قضى أمر عظيم تنتشر منه في أرض الشأم كلها البركة ( وسبحان الله رب العالمين ) تعجيب لموسى عليه السلام من ذلك وإيذان بأن ذلك الأمر مريده ومكونه رب العالمين تنبيها على أن الكائن من جلائل الأمور وعظائم الشؤون . الهاء في ( إنه ) يجوز أن يكون ضمير الشأن ، والشأن ( أنا الله ) مبتدأ وخبر ، و ( العزيز الحكيم ) صفتان للخبر ، وأن يكون راجعا إلى ما دل عليه ما قبله : يعنى أن مكلمك أنا ، والله بيان لأنا ، والعزيز الحكيم صفتان للمبين . وهذا تمهيد لما أراد أن يظهره على يده من المعجزة . يريد أنا القوى القادر على ما يبعد من الأوهام كقلب العصا حية الفاعل كل ما أفعله بحكمة وتدبير . فإن قلت : علام عطف قوله ( وألق عصاك ) ؟ قلت : على بورك لأن المعنى : نودي أن بورك من في النار وأن ألق عصاك كلاهما تفسير لنودي ، والمعنى : قيل له بورك من في النار . وقيل له ألق عصاك ، والدليل على ذلك قوله - وأن ألق عصاك - بعد قوله - أن يا موسى إنه أنا الله - على تكرير حرف التفسير كما تقول : كتبت إليك أن حج وأن اعتمر وإن شئت أن حجر واعتمر . وقرأ الحسن جأن على لغة من يجد في الهرب من التقاء الساكنين فيقول شأبة ودأبة ، ومنها قراءة عمرو بن عبيد ولا الضألين ( ولم يعقب ) لم يرجع ، يقال عقب المقاتل إذا كر بعد الفرار ، قال : فما عقبوا إذا قيل هل من معقب * ولا نزلوا يوم الكريهة منزلا وإنما رعب لظنه أن ذلك لأمر أريد به ويدل عليه ( إني لا يخاف لدى المرسلون ) و ( إلا ) بمعنى لكن ، لأنه لما أطلق نفى الخوف عن الرسل كان ذلك مظنة لطرو الشبهة فاستدرك ذلك ، والمعنى : ولكن من ظلم منهم : أي فرطت منه صغيرة مما يجوز على الأنبياء كالذي فرط من آدم ويونس وداود وسليمان وإخوة يوسف ومن موسى بوكزة القبطي ، ويوشك أن يقصد بهذا التعريض بما وجد من موسى وهو من التعريضات التي يلطف مأخذها وسماه ظلما كما قال موسى - رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي - والحسن والسوء : حسن التوبة وقبح الذنب . وقرئ ألا من ظلم بحرف التنبيه ، وعن أبي عمرو في رواية عصمة حسنا ( في تسع آيات ) كلام مستأنف وحرف الجر فيه يتعلق بمحذوف ، والمعنى اذهب في تسع آيات ( إلى فرعون ) ونحوه : فقلت إلى الطعام فقال منهم * فريق يحسد الإنس الطعاما ويجوز أن يكون المعنى : وألق عصاك وأدخل يدك في تسع آيات : أي في جملة تسع آيات وعدادهن ، ولقائل أن يقول : كانت الآيات إحدى عشرة ، ثنتان منها اليد والعصا ، والتسع الفلق والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمسة والجدب في بواديهم والنقصان في مزارعهم . المبصرة الظاهرة البينة ، جعل الإبصار