هدى وبشرى للمؤمنين . الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم
يوقنون .
شرح
قد خط فيه كسل ما هو كائن فهو يبينه للناظرين فيه إبانة ، وإما السورة ، وإما القرآن . وإبانتهما أنهما يبينان ما أو دعاه
من العلوم والحكم والشرائع وأن إعجازها ظاهر مكشوف ، وإضافة الآيات إلى القرآن والكتاب المبين على سبيل
التفخيم لها والتعظيم ، لأن المضاف إلى العظيم يعظم بالإضافة إليه . فإن قلت : لم نكر الكتاب المبين ؟ قلت : ليبهم
بالتنكير فيكون أفخم له كقوله تعالى - في مقعد صدق عند مليك مقتدر - فإن قلت : ما وجه عطفه على القرآن إذا
أريد به القرآن . قلت : كما تعطف إحدى الصفتين على الأخرى في نحو قولك هذا فعل السخي والجواد الكريم ، لأن
القرآن هو المنزل المبارك المصدق لما بين يديه ، فكان حكمه حكم الصفات المستقلة بالمدح ، فكأنه قيل : تلك
الآيات آيات المنزل المبارك آي كتاب مبين . وقرأ ابن أبي عبلة وكتاب مبين بالرفع على تقدير : وآيات كتاب مبين
فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . فإن قلت : ما الفرق بين هذا وبين قوله - الر تلك آيات الكتاب وقرآن
مبين - ؟ قلت : لا فرق بينهما إلا ما بين المعطوف والمعطوف عليه من التقدم والتأخر ، وذلك على ضربين : ضرب
جار مجرى التثنية لا يترجح فيه جانب على جانب ، وضرب فيه ترجح ، فالأول نحو قوله تعالى - وقولوا حطة
وادخلوا الباب سجدا - ومنه ما نحن بصدده ، والثاني نحو قوله تعالى - شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم -
( هدى وبشرى ) في محل النصب أو الرفع ، فالنصب على الحال : أي هادية ومبشرة ، والعامل فيها ما في تلك من
معنى الإشارة ، والرفع على ثلاثة أوجه : على هي هدى وبشرى ، وعلى البدل من الآيات ، وعلى أن يكون خبرا
بعد خبر : أي جمعت أنها آيات وأنها هدى وبشرى ، والمعنى في كونها هدى للمؤمنين أنها زائدة في هداهم
قال الله تعالى - فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا - فإن قلت : ( وهم بالآخرة هم يوقنون ) كيف يتصل بما قبله ؟
قلت : يحتمل أن يكون من جملة صلة الموصول ، ويحتمل أن تتم الصلة عنده ويكون جملة اعتراضية كأنه قيل :
وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هم الموقنون بالآخرة وهو الوجه ، ويدل
عليه أنه عقد جملة ابتدائية وكرر فيها المبتدأ الذي هو هم حتى صار معناها وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء