تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم . إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون . فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها ،
شرح
لو آمنوا لكانوا من الشهداء على جميع الأمم ، فخسروا ذلك مع خسران النجاة وثواب الله ( لتلقى القرآن ) لتؤتاه وتلقنه ( من ) عند أي حكيم وأي ( عليم ) وهذا معنى مجيئهما نكرتين : وهذه الآية بساط وتمهيد لما يريد أن يسوق بعضها من الأقاصيص وما في ذلك من لطائف حكمته ودقائق علمه ( إذ ) منصوب بمضمر وهو أذكر كأنه قال على أثر ذلك خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى ويجوز أن ينتصب بعليم . وروى أنه لم يكن مع موسى عليه السلام غير امرأته ، وقد كنى الله عنها بالأهل فتبع ذلك ورود الخطاب على لفظ الجمع وهو قوله - امكثوا - الشهاب : الشعلة . والقبس : النار المقبوسة ، وأضاف الشهاب إلى القبس لأنه يكون قبسا وغير قبس ، ومن قرأ بالتنوين جعل القبس بدلا أو صفة لما فيه من معنى القبس . والخبر ما يخبر به عن حال الطريق لأنه كان قد ضله . فإن قلت : سآتيكم منها بخبر ولعلى آتيكم منها بخبر كالمتدافعين ، لأن أحدهما ترج والآخر تيقن . قلت : قد يقول الراجي إذا قوى رجاؤه سأفعل كذا وسيكون كذا مع تجويزه الخيبة . فإن قلت : كيف جاء بسين التسويف ؟ قلت : عدة لأهله أنه يأتيهم به وإن أبطأ أو كانت المسافة بعيدة . فإن قلت : فلم جاء بأو دون الواو ؟ قلت : بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه جميعا لم يعدم واحدة منهما : إما هداية الطريق وإما اقتباس النار ثقة بعادة الله أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده ، وما أدراه حين قال ذلك أنه ظافر على النار بحاجتيه الكليتين جميعا وهما العزان عز الدنيا وعز الآخرة ( أن ) هي المفسرة لأن النداء فيه معنى القول ، والمعنى : قيل له بورك . فإن قلت : هل يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة وتقديره نودي بأنه بورك والضمير ضمير الشأن ؟ قلت : لا ، لأنه لا بد من قد . فإن قلت : فعلى إضمارها . قلت : لا يصح لأنها علامة لا تحذف . ومعنى ( بورك من في النار ومن حولها ) بورك من في مكان النار ومن حول مكانها ، ومكانها البقعة التي حصلت فيها وهى البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى - نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة - وتدل عليه قراءة أبى تباركت الأرض ومن حولها ، وعنه بوركت النار والذي بوركت له البقعة وبورك من فيها وحواليها حدوث أمر ديني فيها وهو تكليم الله موسى واستنباؤه له وإظهار المعجزات عليه ، ورب خير يتجدد في بعض البقاع فينشر الله بركة ذلك الخير في أقاصيها ويبث آثار يمنه في أباعدها . فكيف بمثل ذلك الأمر العظيم الذي جرى في تلك البقعة . وقيل المراد بالمبارك فيهم موسى والملائكة الحاضرون ، والظاهر أنه عام في كل من كان في تلك الأرض وفى ذلك الوادي وحواليهما من أرض الشأم ، ولقد جعل الله أرض الشأم بالبركات موسومة في قوله - ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين - وحقت أن تكون كذلك فهي مبعث الأنبياء صلوات الله عليهم ومهبط الوحي إليهم وكفاتهم أحياء وأمواتا
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 137 | الزمخشري