فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين . وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم
ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين . ولقد آتينا داود وسليمان علما
وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين .
شرح
لها وهو في الحقيقة لمتأمليها لأنهم لابسوها وكانوا بسبب منها بنظرهم وتفكرهم فيها . ويجوز أن يراد بحقيقة الإبصار
كل ناظر فيها من كافة أولى العقل ، وأن يراد إبصار فرعون وملئه لقوله - واستيقنتها أنفسهم - أو جعلت كأنها تبصر
فتهدى لأن العمى لا تقدر على الاهتداء فضلا أن تهدى غيرها ، ومنه قولهم كلمة عيناء وكلمة عوراء لأن الكلمة
الحسنة ترشد والسيئة تغوى ، ونحوه قوله تعالى - لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر -
فوصفها بالبصارة كما وصفها بالإبصار . وقرأ علي بن الحسين رضي الله عنهما وقتادة مبصرة وهى نحو مجبنة ومبخلة
ومجفرة : أي مكانا يكثر فيه التبصر . الواو في ( واستيقنتها ) واو الحال وقد بعدها مضمرة . والعلو : الكبر والترفع
عن الإيمان بما جاء به موسى كقوله تعالى - فاستكبروا وكانوا قوما عالين ، فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما
لنا عابدون ؟ - وقرئ عليا وعليا بالضم والكسر كما قرئ عتيا وعتيا . وفائدة ذكر الأنفس أنهم جحدوها بألسنتهم
واستيقنوها في قلوبهم وضمائرهم ، والاستيقان أبلغ من الإيقان ، وقد قوبل بين المبصرة والمبين ، وأي ظلم أفحش
من ظلم من اعتقد واستيقن أنها آيات بينة واضحة جاءت من عند الله ثم كابر بتسميتها سحرا بينا مكشوفا لا شبهة فيه
( علما ) طائفة من العلم أو علما سنيا غزيرا . فإن قلت : أليس هذا موضع الفاء دون الواو كقولك أعطيته فشكر
ومنعته فصبر ؟ قلت : بلى ولكن عطفه بالواو إشعار بأن ما قالاه بعض ما أحدث فيهما إيتاء العلم وشئ من مواجبه ،
فأضمر ذلك ثم عطف عليه التحميد كأنه قال : ولقد آتيناهما علما فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة
( وقالا الحمد لله الذي فضلنا ) والكثير المفضل عليه من لم يؤت علما أو من لم يؤت مثل علمهما ، وفيه أنهما
فضلا على كثير وفضل عليهما كثير . وفى الآية دليل على شرف العلم وأناقة محله وتقدم حملته وأهله ، وأن نعمة
العلم من أجل النعم وأجزل القسم ، وأن من أوتيه فقد أوتى فضلا على كثير من عباد الله كما قال - والذين أوتوا العلم
درجات - وما سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورثة الأنبياء إلا لمداناتهم لهم في الشرف والمنزة لأنهم القوام بما