تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم . واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين . قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه
شرح
واليوم الثالث ووجوهكم مسودة ثم يصبحكم العذاب ، فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه ، فأنجاه الله إلى أرض فلسطين ، ولما كان اليوم الرابع وارتفع الضحى تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالأنطاع ، فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا ( تأكل في أرض الله ) أي الأرض أرض الله والناقة ناقة الله ، فذروها تأكل في أرض ربها ، فليست الأرض لكم ولا ما فيها من النبات من إنباتكم ( ولا تمسوها بسوء ) لا تضربوها ولا تطردوها ولا تريبوها بشئ من الأذى إكراما لآية الله . ويروى " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه : لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائها ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل الذي أصابهم " وقال صلى الله عليه وسلم " يا علي أتدري من أشقى الأولين ؟ قال : الله ورسوله أعلم ، قال : عاقر ناقة صالح ، أتدري من أشقى الآخرين ؟ قال : الله ورسوله أعلم ، قال : قاتلك " وقرأ أبو جعفر في رواية : تأكل في أرض الله ، وهو في موضع الحال بمعنى آكلة ( وبوأكم ) ونزلكم والمباءة المنزل ( في الأرض ) في أرض الحجر بين الحجاز والشام ( من سهولها قصورا ) أي تبنونها من سهولة الأرض بما تعملون منها من الرهص واللبن والآجر . وقرأ الحسن : وتنحتون بفتح الحاء وتنحاتون بإشباع الفتحة كقوله : * ينباع من ذفري أسيل حرة * فإن قلت : علام انتصب ( بيوتا ) ؟ قلت : على الحال كما تقول : خط هذا الثوب قميصا وابر هذه القصبة قلما ، وهي من الحال المقدرة ، لأن الجبل لا يكون بيتا في حال النحت ولا الثوب ولا القصبة قميصا وقلما في حال الخياطة والبرى . وقيل كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في الشتاء ( للذين استضعفوا ) للذين استضعفهم رؤساء الكفار واستذلوهم ، و ( لمن آمن منهم ) بدل من الذين استضعفوا . فإن قلت : الضمير في منهم راجع إلى ماذا ؟ قلت : إلى قومه أو إلى الذين استضعفوا . فإن قلت : هل لاختلاف المرجعين أثر في اختلاف المعنى ؟ قلت : نعم وذلك أن الراجع إذا رجع إلى قومه فقد جعل من آمن مفسرا لمن استضعف منهم ، فدل أن استضعافهم كان مقصورا على المؤمنين ، وإذا رجع إلى الذين استضعفوا لم يكن الاستضعاف مقصورا عليهم ، ودل أن المستضعفين كانوا مؤمنين وكافرين ( أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه ) شئ قالوه على سبيل الطنز والسخرية ، كما تقول للمجسمة : أتعلمون أن الله فوق العرش . فإن قلت : كيف
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 90 | الزمخشري