تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين . فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين
شرح
عليكم جعل المتوقع الذي لا بد من نزوله بمنزلة الواقع ، ونحوه قولك لمن طلب إليك بعض المطالب قد كان ذلك . وعن حسان أن ابنه عبد الرحمن لسعه زنبور وهو طفل فجاء يبكي فقال له : يا بني مالك ؟ قال : لسعني طوير كأنه ملتف في بردي حبرة ، فضمه إلى صدره وقال له : يا بني قد قلت الشعر . والرجس العذاب من الارتجاس وهو الاضطراب ( في أسماء سميتموها ) في أشياء ما هي إلا أسماء ليس تحتها مسميات لأنكم تسمونها آلهة ، ومعنى الإلهية فيها معدوم محال وجوده ، وهذا كقوله تعالى - ما تدعون من دونه من شئ - ومعنى سميتموها : سميتم بها من سميته زيدا . وقطع دابرهم استئصالهم وتدميرهم عن آخرهم . وقصتهم أن عادا قد تبسطوا في الدنيا ما بين عمان وحضرموت ، وكانت لهم أصنام يعبدونها صداء وصمود والهباء ، فبعث الله إليهم هودا نبيا ، وكان من أوسطهم وأفضلهم حسبا ، فكذبوه وازدادوا عتوا وتجبرا ، فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا ، وكان الناس إذا نزل بهم بلاء طلبوا إلى الله تعالى الفرج منه عند بيته المحرم مسلمهم ومشركهم ، وأهل مكة إذ ذاك العماليق أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح ، وسيدهم معاوية بن بكر ، فجهزت عاد إلى مكة من أماثلهم سبعين رجلا ، منهم قيل بن عنز ومرثد بن سعد الذي كان يكتم اسلامه ، فلما قدموا نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجا عن الحرم ، فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره ، فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قيننان كانتا لمعاوية ، فلما رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو عما قدموا له أهمه ذلك وقال قد هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء على ما هم عليه ، وكان يستحيي أن يكلمهم خيفة أن يظنوا به ثقل مقامهم عليه ، فذكر ذلك للقينتين فقالتا : قل شعرا نغنيهم به لا يدرون من قاله ، فقال معاوية : ألا يا قيل ويحك قم فهينم * لعل الله يسقينا غماما فيسقي أرض عاد إن عادا * قد أمسوا ما يبينون الكلاما فلما غنتا به قالوا : إن قومكم يتغوثون من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم ، فأدخلوا الحرم واستسقوا لقومكم ، فقال لهم مرثد بن سعد : والله لا تسقون بدعائكم ، ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى الله سقيتم وأظهر إسلامه ، فقالوا لمعاوية : احبس عنا مرثدا لا يقد من معنا مكة فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا ، ثم دخلوا مكة فقال قيل : اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم ، فأنشأ الله تعالى سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء ، ثم ناداه مناد من السماء : يا قيل اختر لنفسك ولقومك ، فقال : اخترت السوداء فإنها أكثر ماء ، فخرجت على عاد من واد لهم يقال له المغيث فاستبشروا بها وقالوا هذا عارض ممطرنا ، فإجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم ، ونجا هود والمؤمنون معه ، فأتوا مكة فعبدوا الله فيها حتى ماتوا . فإن قلت : ما فائدة نفي الإيمان عنهم في قوله ( وما كانوا مؤمنين ) مع إثبات التكذيب بآيات الله ؟ قلت : هو تعريض بمن آمن منهم كمرثد بن سعد ومن نجا مع هود عليه السلام كأنه