من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله
بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين . فأنجيناه والذين معه برحمة منا
وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين
شرح
عليكم جعل المتوقع الذي لا بد من نزوله بمنزلة الواقع ، ونحوه قولك لمن طلب إليك بعض المطالب قد كان ذلك .
وعن حسان أن ابنه عبد الرحمن لسعه زنبور وهو طفل فجاء يبكي فقال له : يا بني مالك ؟ قال : لسعني طوير كأنه
ملتف في بردي حبرة ، فضمه إلى صدره وقال له : يا بني قد قلت الشعر . والرجس العذاب من الارتجاس وهو
الاضطراب ( في أسماء سميتموها ) في أشياء ما هي إلا أسماء ليس تحتها مسميات لأنكم تسمونها آلهة ، ومعنى الإلهية
فيها معدوم محال وجوده ، وهذا كقوله تعالى - ما تدعون من دونه من شئ - ومعنى سميتموها : سميتم بها من
سميته زيدا . وقطع دابرهم استئصالهم وتدميرهم عن آخرهم . وقصتهم أن عادا قد تبسطوا في الدنيا ما بين عمان
وحضرموت ، وكانت لهم أصنام يعبدونها صداء وصمود والهباء ، فبعث الله إليهم هودا نبيا ، وكان من أوسطهم
وأفضلهم حسبا ، فكذبوه وازدادوا عتوا وتجبرا ، فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا ، وكان
الناس إذا نزل بهم بلاء طلبوا إلى الله تعالى الفرج منه عند بيته المحرم مسلمهم ومشركهم ، وأهل مكة إذ ذاك
العماليق أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح ، وسيدهم معاوية بن بكر ، فجهزت عاد إلى مكة من أماثلهم سبعين
رجلا ، منهم قيل بن عنز ومرثد بن سعد الذي كان يكتم اسلامه ، فلما قدموا نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر
مكة خارجا عن الحرم ، فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره ، فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم
الجرادتان قيننان كانتا لمعاوية ، فلما رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو عما قدموا له أهمه ذلك وقال قد هلك أخوالي
وأصهاري وهؤلاء على ما هم عليه ، وكان يستحيي أن يكلمهم خيفة أن يظنوا به ثقل مقامهم عليه ، فذكر ذلك
للقينتين فقالتا : قل شعرا نغنيهم به لا يدرون من قاله ، فقال معاوية :
ألا يا قيل ويحك قم فهينم * لعل الله يسقينا غماما
فيسقي أرض عاد إن عادا * قد أمسوا ما يبينون الكلاما
فلما غنتا به قالوا : إن قومكم يتغوثون من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم ، فأدخلوا الحرم واستسقوا
لقومكم ، فقال لهم مرثد بن سعد : والله لا تسقون بدعائكم ، ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى الله سقيتم وأظهر
إسلامه ، فقالوا لمعاوية : احبس عنا مرثدا لا يقد من معنا مكة فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا ، ثم دخلوا مكة
فقال قيل : اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم ، فأنشأ الله تعالى سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء ، ثم ناداه مناد
من السماء : يا قيل اختر لنفسك ولقومك ، فقال : اخترت السوداء فإنها أكثر ماء ، فخرجت على عاد من واد لهم
يقال له المغيث فاستبشروا بها وقالوا هذا عارض ممطرنا ، فإجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم ، ونجا هود والمؤمنون
معه ، فأتوا مكة فعبدوا الله فيها حتى ماتوا . فإن قلت : ما فائدة نفي الإيمان عنهم في قوله ( وما كانوا مؤمنين ) مع
إثبات التكذيب بآيات الله ؟ قلت : هو تعريض بمن آمن منهم كمرثد بن سعد ومن نجا مع هود عليه السلام كأنه