قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فأخرج إنك من الصاغرين .
قال أنظرني إلى يوم يبعثون . قال إنك من المنظرين . قال فبما أغويتني
شرح
بالسجود لمثله كأنه يقول : من كان على هذه الصفة كان مستبعدا أن يؤمر بما أمر به ( فاهبط منها ) من السماء التي
هي مكان المطيعين المتواضعين من الملائكة إلى الأرض التي هي مقر العاصين المتكبرين من الثقلين ( فما يكون لك )
فما يصح لك ( أن تتكبر فيها ) وتعصي ( فأخرج إنك من الصاغرين ) من أهل الصغار والهوان على الله وعلى
أوليائه لتكبرك ، كما تقول للرجل قم صاغرا إذا أهنته وفي ضده قم راشدا ، وذلك أنه لما أظهر الاستكبار ألبس
الصغار . وعن عمر رضي الله عنه : من تواضع لله رفع الله حكمته وقال انتعش نعشك الله ، ومن تكبر وعدا طوره
وهصه الله إلى الأرض . فإن قلت : لم أجيب إلى استنظاره وإنما استنظر ليفسد عباده ويغويهم ؟ قلت : لما في ذلك
من ابتلاء العباد وفي مخالفته من أعظم الثواب ، وحكمه حكم ما خلق في الدنيا من صنوف الزخارف وأنواع الملاذ
والملاهي وما ركب في الأنفس من الشهوات ليمتحن بها عباده ( فبما أغويتني ) فبسبب إغوائك إياي لأقعدن لهم ،
وهو تكليفه إياه ما وقع به في الغي ولم يثبت كما ثبتت الملائكة مع كونهم أفضل منه ومن آدم أنفسا ومناصب .
وعن الأصم أمرتني بالسجود فحملني الأنف على معصيتك . والمعنى : فبسبب وقوعي في الغي لأجتهدن في
إغوائهم حتى يفسدوا بسببي كما فسدت بسببهم . فإن قلت : بم تعلقت الباء فإن تعلقها بلأقعدن يصد عنه لام
القسم ، لا تقول والله بزيد لأمرن ؟ قلت : تعلقت بفعل القسم المحذوف تقديره : فبما أغويتني أقسم بالله لأقعدن :