فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون . ومن خفت موازينه فأولئك الذين
خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ، ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا
لكم فيها معايش ، قليلا ما تشكرون . ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا
للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين . قال ما منعك
ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين
شرح
يسألهم عن أعمالهم فيعترفون بها بألسنتهم وتشهد بها عليهم أيديهم وأرجلهم وجلودهم ، وتشهد عليهم الأنبياء والملائكة
والأشهاد وكما تثبت في صحائفهم يقرأونها في موقف الحساب ، وقيل هي عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل
( فمن ثقلت موازينه ) جمع ميزان أو موزون : أي فمن رجحت أعماله الموزونة التي لها وزن وقدر وهي الحسنات ،
أو ما توزن به حسناتهم . وعن الحسن وحق لميزان توضع فيه الحسنات أن يثقل وحق لميزان توضع فيه السيئات أن
يخف ( بآياتنا يظلمون ) يكذبون به ظلما كقوله - فظلموا بها - ( مكناكم في الأرض ) جعلنا لكم فيها مكانا وقرارا ،
أو ملكناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها ( وجعلنا لكم فيها معايش ) جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطاعم
والمشارب وغيرها أو ما يتوصل به إلى ذلك ، والوجه تصريح الياء ، وعن ابن عامر أنه همز على التشبيه بصحائف
( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) يعني خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور ثم صورناه بعد ذلك ، ألا ترى إلى قوله
( ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) الآية ( من الساجدين ) ممن سجد لآدم ( ألا تسجد ) لا في أن لا تسجد صلة بدليل
قوله - ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي - ومثلها لئلا يعلم أهل الكتاب - بمعنى ليعلم . فإن قلت : ما فائدة
زيادتها ؟ قلت : توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه كأنه قيل ليتحقق علم أهل الكتاب وما منعك أن
تحقق السجود وتلزمه نفسك ( إذ أمرتك ) لأن أمري لك بالسجود أوجبه عليك إيجابا وحتمه عليك حتما لا بد لك
منه . فإن قلت : لم سأله عن المانع من السجود وقد علم ما منعه ؟ قلت : للتوبيخ ولإظهار معاندته وكفره وكبره
وافتخاره بأصله وازدرائه بأصل آدم ، وأنه خالف أمر ربه معتقدا أنه غير واجب عليه لما رأى أن سجود الفاضل
للمفضول خارج من الصواب . فإن قلت : كيف يكون قوله ( أنا خير منه ) جوابا لما منعك ؟ وإنما الجواب أن
يقول منعني كذا . قلت : قد استأنف قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل عن آدم وبعلة فضله عليه ، وهو أن أصله
من نار وأصل آدم من طين فعلم منه الجواب وزيادة عليه وهي إنكار للأمر واستبعاد أن يكون مثله مأمورا