تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
أو هم قائلون . فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين . فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين . فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين . والوزن يومئذ الحق
شرح
حسنة ، وقوله ( هم قائلون ) حال معطوفة على بياتا كأنه قيل : فجاءهم بأسنا بائتين أو قائلين . فإن قلت : هل يقدر حذف المضاف الذي هو الأهل قبل قرية أو قبل الضمير في أهلكناها . قلت : إنما يقدر المضاف للحاجة ولا حاجة فإن القرية تهلك كما يهلك أهلها ، وإنما قدرناه قبل الضمير في فجاءها لقوله - أو هم قائلون - فإن قلت : لا يقال جاءني زيد هو فارس بغير واو فما بال قوله هم قائلون ؟ قلت : قدر بعض النحويين الواو محذوفة . ورده الزجاج وقال : لو قلت جاءني زيد راجلا أو هو فارس أو جاءني زيد هو فارس لم تحتج فيه إلى واو لأن الذكر قد عاد إلى الأول . والصحيح أنها إذا عطفت على حال قبلها حذفت الواو استثقالا لاجتماع حرفي عطف ، لأن واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصل ، فقولك : جاءني زيد راجلا أو هو فارس كلام فصيح وارد على حده ، وأما جاءني زيد هو فارس فخبيث . فإن قلت : فما معنى قوله : أهلكناها فجاءها بأسنا والإهلاك إنما هو بعد مجئ البأس ؟ قلت : معناه أردنا إهلاكها كقوله - إذا قمتم إلى الصلاة - وإنما خص هذان الوقتان وقت البيان ووقت القيلولة لأنهما وقت الغفلة والدعة ، فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع ، وقوم لوط أهلكوا بالليل وقت السحر ، وقوم شعيب وقت القيلولة ( فما كان دعواهم ) ما كانوا يدعونه من دينهم وينتحلونه من مذهبهم إلا اعترافهم ببطلانه وفساده ، وقولهم ( إنا كنا ظالمين ) فيما كنا عليه ، ويجوز : فما كان استغاثتهم إلا قولهم هذا لأنه لا مستغاث من الله بغيره من قولهم : دعواهم يا لكعب ، ويجوز فما كان دعواهم ربهم إلا اعترافهم لعلمهم أن الدعاء لا ينفعهم وأن لات حين دعاء ، فلا يزيدون على ذم أنفسهم وتحسرهم على ما كان منهم ، ودعواهم نصب خبر لكان ، وإن قالوا رفع اسم له ويجوز العكس ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ) أرسل مسند إلى الجار والمجرور وهو إليهم ومعناه : فلنسألن المرسل إليهم وهو الأمم يسألهم عما أجابوا عنه رسلهم كما قال - ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ويسأل المرسلين عما أجيبوا به كما قال - يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم - ( فلنقصن عليهم ) على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم ( بعلم ) عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم وأفعالهم ( وما كنا غائبين ) عنهم وعما وجد منهم . فإن قلت : فإذا كان عالما بذلك وكان يقصه عليهم فما معنى سؤالهم ؟ قلت : معناه التوبيخ والتقريع والتقرير إذا فاهوا به بألسنتهم وشهد عليهم أنبياؤهم ( والوزن يومئذ الحق ) يعني وزن الأعمال والتمييز بين راجحها وخفيفها ورفعه على الابتداء وخبره يومئذ ، والحق صفته : أي والوزن يوم يسأل الله الأمم ورسلهم الوزن الحق : أي العدل ، وقرئ القسط . واختلف في كيفية الوزن فقيل توزن صحف الأعمال بميزان له لسان وكفتان تنظر إليه الخلائق تأكيدا للحجة وإظهارا للنصفة وقطعا للمعذرة ، كما
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 67 | الزمخشري