إلا تذكرة لمن يخشى . تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى . الرحمن
شرح
كفرهم وتحسرك على أن يؤمنوا كقوله تعالى - لعلك باخع نفسك - والشقاء يجئ في معنى التعب ، ومنه المثل :
أشقى من رائض مهر : أي ما عليك إلا أن تبلغ وتذكر ولم يكتب عليك أن يؤمنوا لا محالة بعد أن لم تفرط في أداء
الرسالة والموعظة الحسنة . وقيل إن أبا جهل والنضر بن الحرث قالا له : إنك شقى لأنك تركت دين آبائك ،
فأريد رد ذلك بأن دين الإسلام وهذا القرآن هو المسلم إلى نيل كل فوز والسبب في درك كل سعادة وما فيه الكفرة
هو الشقاوة بعينها . وروى " أنه عليه الصلاة والسلام صلى بالليل حتى اسمغدت قدماه ، فقال له جبريل عليه
السلام : أبق على نفسك فإن لها عليك حقا " أي ما أنزلناه لتنهك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقة الفادحة وما بعثت إلا
بالحنيفية السمحة وكل واحد من لتشقى وتذكرة علة للفعل ، إلا أن الأول وجب مجيئه مع اللام لأنه ليس لفاعل
الفعل المعلل ففاتته شريطة الانتصاب على المفعولية ، والثاني جاز قطع اللام عنه ونصبه لاستجماعه الشرائط . فإن
قلت : أما يجوز أن تقول ما أنزلنا عليك القرآن أن تشقى كقوله تعالى - أن تحبط أعمالكم - ؟ قلت : بلى ولكنها
نصبة طارئة كالنصبة في - واختار موسى قومه - وأما النصبة فقى تذكرة فهي كالتي في ضربت زيدا لأنه أحد
المفاعيل الخمسة التي هي أصول وقوانين لغيرها . فإن قلت : هل يجوز أن يكون تذكرة بدلا من محل لتشقى ؟
قلت : لا لاختلاف الجنسين ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي إلا فيه بمعنى لكن . ويحتمل أن يكون
المعنى : إنا أنزلنا عليك القرآن لتحتمل متاعب التبليغ ومقاولة العتاة من أعداء الإسلام ومقاتلتهم وغير ذلك من
أنواع المشاق وتكاليف النبوة ، وما أنزلنا عليك هذا المتعب الشاق إلا ليكون تذكرة ، وعلى هذا الوجه يجوز أن
يكون تذكرة حالا ومفعولا له ( لمن يخشى ) لمن يؤول أمره إلى الخشية ولمن يعلم الله منه أنه يبدل بالكفر إيمانا
وبالقسوة خشية . في نصب ( تنزيلا ) وجوه أن يكون بدلا من تذكرة إذا جعل حالا لا إلا كان مفعولا له لأن
الشئ لا يعلل بنفسه ، وأن ينصب بنزل مضمرا وأن ينصب بأنزلنا ، لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرة أنزلناه تذكرة ،
وأن ينصب على المدح والاختصاص ، وأن ينصب يخشى مفعولا به : أي أنزله الله تذكرة لمن يخشى تنزيل الله
وهو معنى حسن وإعراب بين . وقري تنزيل بالرفع على خبر مبتدأ محذوف . ما بعد تنزيلا إلى قوله - له الأسماء
الحسنى - تعظيم وتفخيم لشأن المنزل لنسبته إلى من هذه أفعاله وصفاته ، ولا يخلو من أن يكون متعلقه إما تنزيلا
نفسه فيقع صلة له ، وإما محذوفا فيقع صفة له . فإن قلت : ما فائدة النقلة من لفظ المتكلم إلى لفظ الغائب ؟
قلت : غير واحدة ، منها عادة الافتنان في الكلام وما يعطيه من الحسن والروعة ، ومنها أن هذه الصفات إنما
تسردت مع لفظ الغيبة ، ومنها أنه قال أولا أنزلنا ففخم بالإسناد إلى ضمير الواحد المطاع ، ثم ثنى بالنسبة إلى
المختص بصفات العظمة والتمجيد فضوعفت الفخامة من طريقين . ويجوز أن يكون أنزلنا حكاية لكلام جبريل
والملائكة النازلين معه . وصف السماوات بالعلى دلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها وبعد مرتقاها .
قرئ ( الرحمن ) مجرورا صفة لمن خلق والرفع أحسن ، لأنه إما أن يكون رفعا على المدح على تقدير هو الرحمن ،