تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
إلا تذكرة لمن يخشى . تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى . الرحمن
شرح
كفرهم وتحسرك على أن يؤمنوا كقوله تعالى - لعلك باخع نفسك - والشقاء يجئ في معنى التعب ، ومنه المثل : أشقى من رائض مهر : أي ما عليك إلا أن تبلغ وتذكر ولم يكتب عليك أن يؤمنوا لا محالة بعد أن لم تفرط في أداء الرسالة والموعظة الحسنة . وقيل إن أبا جهل والنضر بن الحرث قالا له : إنك شقى لأنك تركت دين آبائك ، فأريد رد ذلك بأن دين الإسلام وهذا القرآن هو المسلم إلى نيل كل فوز والسبب في درك كل سعادة وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها . وروى " أنه عليه الصلاة والسلام صلى بالليل حتى اسمغدت قدماه ، فقال له جبريل عليه السلام : أبق على نفسك فإن لها عليك حقا " أي ما أنزلناه لتنهك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقة الفادحة وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة وكل واحد من لتشقى وتذكرة علة للفعل ، إلا أن الأول وجب مجيئه مع اللام لأنه ليس لفاعل الفعل المعلل ففاتته شريطة الانتصاب على المفعولية ، والثاني جاز قطع اللام عنه ونصبه لاستجماعه الشرائط . فإن قلت : أما يجوز أن تقول ما أنزلنا عليك القرآن أن تشقى كقوله تعالى - أن تحبط أعمالكم - ؟ قلت : بلى ولكنها نصبة طارئة كالنصبة في - واختار موسى قومه - وأما النصبة فقى تذكرة فهي كالتي في ضربت زيدا لأنه أحد المفاعيل الخمسة التي هي أصول وقوانين لغيرها . فإن قلت : هل يجوز أن يكون تذكرة بدلا من محل لتشقى ؟ قلت : لا لاختلاف الجنسين ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي إلا فيه بمعنى لكن . ويحتمل أن يكون المعنى : إنا أنزلنا عليك القرآن لتحتمل متاعب التبليغ ومقاولة العتاة من أعداء الإسلام ومقاتلتهم وغير ذلك من أنواع المشاق وتكاليف النبوة ، وما أنزلنا عليك هذا المتعب الشاق إلا ليكون تذكرة ، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون تذكرة حالا ومفعولا له ( لمن يخشى ) لمن يؤول أمره إلى الخشية ولمن يعلم الله منه أنه يبدل بالكفر إيمانا وبالقسوة خشية . في نصب ( تنزيلا ) وجوه أن يكون بدلا من تذكرة إذا جعل حالا لا إلا كان مفعولا له لأن الشئ لا يعلل بنفسه ، وأن ينصب بنزل مضمرا وأن ينصب بأنزلنا ، لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرة أنزلناه تذكرة ، وأن ينصب على المدح والاختصاص ، وأن ينصب يخشى مفعولا به : أي أنزله الله تذكرة لمن يخشى تنزيل الله وهو معنى حسن وإعراب بين . وقري تنزيل بالرفع على خبر مبتدأ محذوف . ما بعد تنزيلا إلى قوله - له الأسماء الحسنى - تعظيم وتفخيم لشأن المنزل لنسبته إلى من هذه أفعاله وصفاته ، ولا يخلو من أن يكون متعلقه إما تنزيلا نفسه فيقع صلة له ، وإما محذوفا فيقع صفة له . فإن قلت : ما فائدة النقلة من لفظ المتكلم إلى لفظ الغائب ؟ قلت : غير واحدة ، منها عادة الافتنان في الكلام وما يعطيه من الحسن والروعة ، ومنها أن هذه الصفات إنما تسردت مع لفظ الغيبة ، ومنها أنه قال أولا أنزلنا ففخم بالإسناد إلى ضمير الواحد المطاع ، ثم ثنى بالنسبة إلى المختص بصفات العظمة والتمجيد فضوعفت الفخامة من طريقين . ويجوز أن يكون أنزلنا حكاية لكلام جبريل والملائكة النازلين معه . وصف السماوات بالعلى دلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها وبعد مرتقاها . قرئ ( الرحمن ) مجرورا صفة لمن خلق والرفع أحسن ، لأنه إما أن يكون رفعا على المدح على تقدير هو الرحمن ،